قلت : وإذا جاز إرسال الواحد فلو حكم الزوجان واحدا لأجزأ ، وهو بالجواز أولى إذا
رضيا بذلك ، وإنما خاطب الله بالارسال الحكام دون الزوجين . فإن أرسل الزوجان
حكمين وحكما نفذ حكمهما ، لان التحكيم عندنا جائز ، وينفذ فعل الحكم في كل مسألة .
هذا إذا كان كل واحد منهما عدلا ، ولو كان غير عدل قال عبد الملك : حكمه منقوض ،
لأنهما تخاطرا بما لا ينبغي من الغرر . قال ابن العربي : والصحيح نفوذه ، لأنه إن
كان توكيلا ففعل الوكيل نافذ ، وإن كان تحكيما فقد قدماه على أنفسهما وليس الغرر
بمؤثر فيه كما لم يؤثر في باب التوكيل ، وباب القضاء مبني على الغرر كله ، وليس يلزم
فيه معرفة المحكوم عليه بما يؤول إليه الحكم . قال ابن العربي : مسألة الحكمين نص الله
عليها وحكم بها عند ظهور الشقاق بين الزوجين ، واختلاف ما بينهما . وهي مسألة عظيمة
اجتمعت الأمة على أصلها في البعث ، وإن اختلفوا في تفاصيل ما ترتب عليه . وعجبا لأهل
بلدنا حيث غفلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك وقالوا : يجعلان على يدي أمين ، وفي هذا
من معاندة النص ما لا يخفى عليكم ، فلا بكتاب الله ائتمروا ولا بالأقيسة اجتزءوا . وقد ندبت
إلى ذلك فما أجابني إلى بعث الحكمين عند الشقاق إلا قاض واحد ، ولا بالقضاء باليمين مع
الشاهد إلا آخر ، فلما ملكني الله الامر أجريت السنة كما ينبغي . ولا تعجب لأهل بلدنا لما
غمرهم ( 1 ) من الجهالة ، ولكن أعجب لأبي حنيفة ليس للحكمين عنده خبر ، بل أعجب مرتين للشافعي
فإنه قال : الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما . قال :
وذلك أني وجدت الله عز وجل أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا وأذن في خوفهما ألا يقيما
حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة . وحظر أن يأخذ الزوج مما أعطى شيئا إذا
أراد استبدال زوج مكان زوج ، فلما أمر فيمن خفنا الشقاق بينهما بالحكمين دل على أن حكمهما
غير حكم الأزواج ، فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله وحكما من أهلها ، ولا يبعث الحكمين
إلا مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك . وذلك يدل على أن
هامش
( 1 ) كذا في ابن العربي . وفى الأصول : لما عندهم .