النهار . فإن قال قائل : الذين وعظوا بهذا لم يقتلوا نبيا . فالجواب عن هذا أنهم رضوا فعل
من قتل فكانوا بمنزلته ، وأيضا فإنهم قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهموا بقتلهم ،
قال الله عز وجل : " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك " ( 1 ) :
الثانية - دلت هذه الآية على أن الامر بالمعروف والنهى عن المنكر كان واجبا في الأمم
المتقدمة ، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة . قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه ) .
وعن درة بنت أبي لهب قالت : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال :
من خير الناس يا رسول الله ؟ قال : ( آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم
لرحمه ) . وفي التنزيل : " المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن
المعروف " ثم قال : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر " ( 2 ) . فجعل تعالى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين ،
فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ورأسها الدعاء إلى
الاسلام والقتال عليه . ثم إن الامر بالمعروف لا يليق بكل أحد ، وإنما يقوم به السلطان
إذ كانت إقامة الحدود إليه ، والتعزيز إلى رأيه ، والحبس والاطلاق له ، والنفي والتغريب ،
فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك ، ويمضي الحدود على وجهها
من غير زيادة . قال الله تعالى : " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة
وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر " ( 3 ) .
الثالثة - وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة ، خلافا للمبتدعة
حيث تقول : لا يغيره إلا عدل . وهذا ساقط ، فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق ،
والامر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس . فإن تشبثوا بقوله تعالى : " أتأمرون
الناس بالبر وتنسون أنفسكم " ( 4 ) وقوله : " كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " ( 5 ) ونحوه ،
قيل لهم : إنما وقع الذم ها هنا على ارتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر . ولا شك
هامش
( 1 ) راجع ج 7 ص 397 .
( 2 ) راجع ج 8 ص 199 وص 202 .
( 3 ) راجع ج 12 ص 72
( 4 ) راجع ج 1 ص 364 .
( 5 ) ج 18 ص 81 .