قلت : قوله " والرباط اللغوي هو الأول " ليس بمسلم ، فإن الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال : الرباط ملازمة الثغور ، ومواظبة الصلاة أيضا ، فقد حصل
أن انتظار الصلاة رباط لغوي حقيقة ، كما قال صلى الله عليه وسلم . وأكثر من هذا ما قاله
الشيباني أنه يقال : ماء مترابط أي دائم لا ينزح ( 1 ) ، حكاه ابن فارس ، وهو يقتضي تعدية
الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه . فإن المرابطة عند العرب : العقد على الشئ حتى لا ينحل ، فيعود
إلى ما كان صبر عنه ، فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم على فعل الطاعة . ومن أعظمها
وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله كما نص عليه في التنزيل في قوله : " ومن رباط الخيل " [ الأنفال : 60 ]
على ما يأتي . وارتباط النفس على الصلوات كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، رواه أبو هريرة
وجابر وعلى ولا عطر بعد عروس .
الرابعة والعشرون - المرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور
ليرابط فيه مدة ما ، قاله محمد بن المواز [ ورواه ] ( 2 ) . وأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعمرون
ويكتسبون هنالك ، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين . قال ابن عطية . وقال ابن خويز منداد :
وللرباط حالتان : حالة يكون الثغر مأمونا منيعا يجوز سكناه بالأهل والولد . وإن كان غير
مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال ، ولا ينقل إليه الأهل والولد لئلا
يظهر العدو فيسبي ويسترق . والله أعلم .
الخامسة والعشرون - جاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة ، منها ما رواه البخاري عن
سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما فيها ) . وفي صحيح مسلم عن سلمان قال : سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : ( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه
عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان ) ( 3 ) . وروى أبو داود في سننه عن فضالة
هامش
( 1 ) في الأصول : لا يبرح . والتصويب من اللسان .
( 2 ) كذا في ز وب وج ود وه وى وط وابن عطية
وفى ا وح ود أود .
( 3 ) الفتان : الشيطان . ويروى بفتح الفاء وضمها . فمن رواه بالفتح فهو واحد ، لأنه
يفتن الناس عن الدين . ومن رواه بالضم فهو جمع فاتن ، أي يعاون أحدهما الاخر على الذين يضلون الناس عن الحق ويفتنونهم .