" ترونهم " بالتاء ، قال : ولو كان كذلك لكان مثليكم . قال النحاس " وذا لا يلزم ، ولكن
يجوز أن يكون مثلي أصحابكم . قال مكي : " ترونهم " بالتاء جرى على الخطاب في " لكم "
فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين ، والهاء والميم للمشركين . وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن
يقرأ مثليكم بالكاف ، وذلك لا يجوز لمخالفة الخط ، ولكن جرى الكلام على الخروج من
الخطاب إلى الغيبة ، كقوله تعالى : " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم " ( 1 ) ، وقوله تعالى
: " وما آتيتم من زكاة " ( 2 ) فخاطب ثم قال : " فأولئك هم المضعفون " فرجع إلى الغيبة .
فالهاء والميم في " مثليهم " يحتمل أن يكون للمشركين ، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي
ما هم عليه من العدد ، وهو بعيد في المعنى ، لان الله تعالى لم يكثر المشركين في أعين المسلمين
بل أعلمنا أنه قللهم في أعين المؤمنين ، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مثليكم في العدد
وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ، فقلل الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مثلي عدتهم لتقوى
أنفسهم ويقع التجاسر ، وقد كانوا أعلموا أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار ، وقلل
المسلمين في أعين المشركين ليجترئوا عليهم فينفذ حكم الله فيهم . ويحتمل أن يكون الضمير
في " مثليهم " للمسلمين ، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مثلي ما أنتم عليه من العدد ، أي ترون
أنفسكم مثلي عددكم ، فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين . والتأويل الأول
أولى ، يدل عليه قوله تعالى : " إذ يريكهم الله في منامك قليلا " ( 3 ) وقوله : " وإذ يريكموهم
إذ التقيتم في أعينكم قليلا " وروي عن ابن مسعود أنه قال : قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم
سبعين ؟ قال : أظنهم مائة فلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفا . وحكى الطبري عن
قوم أنهم قالوا : بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضعفين .
وضعف الطبري هذا القول . قال ابن عطية : وكذلك هو مردود من جهات . بل قلل الله
المشركين في أعين المؤمنين كما تقدم . وعلى هذا التأويل كان يكون " ترون " للكافرين ، أي
ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم ، ويحتمل مثليكم ، على ما تقدم . وزعم الفراء أن المعنى
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 324 .
( 2 ) راجع ج 16 ص 35 .
( 3 ) راجع ج 8 ص 22