السادسة : ليس على الانسان إذا لم يذكر ذنبه ويعلمه أن يتوب منه بعينه ، ولكن
يلزمه إذا ذكر ذنبا تاب منه . وقد تأول كثير من الناس فيما ذكر شيخنا أبو محمد عبد المعطي
الإسكندراني رضي الله عنه أن الامام المحاسبي رحمه الله يرى أن التوبة من أجناس المعاصي
لا تصح ، وأن الندم على جملتها لا يكفي ، بل لابد أن يتوب من كل فعل بجارحته وكل
عقد بقلبه على التعيين . ظنوا ذلك من قوله ، وليس هذا مراده ، ولا يقتضيه كلامه ، بل
حكم المكلف إذا عرف حكم أفعاله ، وعرف المعصبة من غيرها ، صحت منه التوبة من جملة
ما عرف ، فإنه إن لم يعرف كون فعله الماضي معصية لا يمكنه أن يتوب منه لا على الجملة
ولا على التفصيل ، ومثاله رجل كان يتعاطى بابا من أبواب الربا ولا يعرف أنه ربا فإذا سمع
كلام الله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين .
فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله " [ البقرة : 279 ] ( 1 ) عظم عليه هذا التهديد ، وظن أنه سالم من الربا ،
فإذا علم حقيقة الربا الان ، ثم تفكر فيما مضى من أيامه وعلم أنه لابس منه شيئا كثيرا في أوقات
متقدمة ، صح أن يندم عليه الان جملة ، ولا يلزمه تعيين أوقاته ، وهكذا كل ما واقع من
الذنوب والسيئات كالغيبة والنميمة وغير ذلك من المحرمات التي لم يعرف كونها محرمة ، فإذا فقه
العبد وتفقد ما مضى من كلامه تاب من ذلك جملة ، وندم على ما فرط فيه من حق الله تعالى ،
وإذا استحل من كان ظلمه فحالله على الجملة وطابت نفسه بترك حقه جاز ، لأنه من باب هبة
المجهول ، هذا مع شح العبد وحرصه على طلب حقه ، فكيف بأكرم الأكرمين المتفضل بالطاعات
وأسبابها والعفو عن المعاصي صغارها وكبارها . قال شيخنا رحمه الله تعالى : هذا مراد الامام ،
والذي يدل عليه كلامه لمن تفقده ، وما ظنه به الظان من أنه لا يصح الندم إلا على فعل فعل
وحركة حركة وسكنة سكنة على التعيين هو من باب تكليف مالا يطاق ، الذي لم يقع شرعا وإن
جاز عقلا ، ويلزم عنه أن يعرف كم جرعة جرعها في شرب الخمر ، وكم حركة تحركها في الزنا ، وكم
خطوة مشاها إلى محرم ، وهذا مالا يطيقه أحد ، ولا تتأتى منه توبة على التفصيل . وسيأتي
لهذا الباب مزيد بيان من أحكام التوبة وشروطها في " النساء " ( 2 ) وغيرها إن شاء الله تعالى .
هامش
( 1 ) راجع ج 3 ص 362 .
( 2 ) راجع ج 5 ص 90 وج 11 ص 231 ، وج 231 وج 13 ص 238 .