بالرسوخ في العلم ، فكيف يمدحهم وهم جهال ! وقد قال ابن عباس : أنا ممن يعلم تأويله .
وقرأ مجاهد هذه الآية وقال : أنا ممن يعلم تأويله ، حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي .
قلت - وقد رد بعض العلماء هذا القول إلى القول الأول فقال : وتقدير تمام الكلام
" عند الله " أن معناه وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويل المتشابهات ، والراسخون في العلم يعلمون
بعضه قائلين آمنا به كل من عند ربنا بما نصب من الدلائل في المحكم ومكن من رده إليه .
فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا ، وما لم يحط به
علمنا من الخفايا مما في شرعه الصالح فعلمه عند ربنا فإن قال قائل : قد أشكل على الراسخين
بعض تفسيره حتى قال ابن عباس : لا أدرى ما الأواه ولا ما غسلين ) قيل له : هذا لا يلزم ،
لان ابن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه . وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه
لم يقل وكل راسخ فيجب هذا فإذا لم يعلمه أحد علمه الاخر . ورجح ابن فورك أن الراسخين
يعلمون التأويل وأطنب في ذلك ، وفى قوله عليه السلام لابن عباس : " اللهم فقهه في الدين
وعلمه التأويل " ما يبين لك ذلك ، أي علمه معاني كتابك . والوقف على هذا يكون عند قوله
" والراسخون في العلم " . قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر : وهو الصحيح ، فإن تسميتهم
راسخين يقتضى أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوى في علمه جميع من يفهم كلام العرب .
وفى أي شئ هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع .
لكن المتشابه يتنوع ، فمنه ما لا يعلم
البتة كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بغيبه ، وهذا لا يتعاطى علمه أحد لا ابن عباس
ولا غيره . فمن قال من العلماء الحداق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع ،
وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب فيتأول ويعلم تأويله المستقيم ،
ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم ، كقوله في عيسى : " وروح منه " ( 1 )
إلى غير ذلك فلا يسمى أحد راسخا إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له .
وأما من يقول : إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل ،
لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح .
هامش
( 1 ) راجع ج 6 ص 21