بالحج " [ الحج : 27 ] ( 1 ) . قال الكيا الطبري : وهذا بعيد ، فإنه إذا ورد في شرعه : " ولله على الناس حج البيت "
فلا بد من وجوبه عليه بحكم الخطاب في شرعه . ولئن قيل : إنما خاطب من لم يحج ، كان
تحكما وتخصيصا لا دليل عليه ، ويلزم عليه ألا يجب بهذا الخطاب على من حج على دين إبراهيم ، وهذا في غاية البعد .
الثانية - ودل الكتاب والسنة على أن الحج على التراخي لا على الفور ، وهو تحصيل مذهب
مالك فيما ذكر ابن خويز منداد ، وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن وأبي يوسف في رواية
عنه . وذهب بعض البغداديين من المتأخرين من المالكيين إلى أنه على الفور ، ولا يجوز تأخيره
مع القدرة عليه ، وهو قول داود . والصحيح الأول ، لان الله تعالى قال في سورة الحج : " وأذن
في الناس بالحج يأتوك رجالا " [ الحج : 27 ] وسورة الحج مكية ( 2 ) . وقال تعالى : " ولله على الناس حج البيت "
الآية . وهذه السورة نزلت عام أحد بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة ولم يحج رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى سنة عشر . أما السنة فحديث ضمام بن ثعلبة السعدي من بني سعد بن بكر قدم على النبي
صلى الله عليه وسلم فسأله عن الاسلام فذكر الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج . رواه
ابن عباس وأبو هريرة وأنس ، وفيها كلها ذكر الحج ، وأنه كان مفروضا ، وحديث أنس أحسنها
سياقا وأتمها . واختلف في وقت قدومه ، فقيل : سنة خمس . وقيل : سنة سبع . وقيل : سنة
تسع ، ذكره ابن هشام عن أبي عبيدة الواقدي عام الخندق بعد انصراف الأحزاب . قال
ابن عبد البر : ومن الدليل على أن الحج على التراخي إجماع العلماء على ترك تفسيق القادر على الحج
إذا أخره العام والعامين ونحوهما ، وأنه إذا حج من بعد أعوام من حين استطاعته فقد أدى الحج
الواجب عليه في وقته ، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها
بعد خروج وقتها ، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه . ولا كمن أفسد حجه
فقضاه ، فلما أجمعوا على أنه لا يقال لمن حج بعد أعوام من وقت استطاعته : أنت قاض
لما وجب عليك ، علمنا أن وقت الحج موسع فيه وأنه على التراخي لا على الفور . قال أبو عمر :
كل من قال بالتراخي لا يحد في ذلك حدا ، إلا ما روي عن سحنون وقد سئل عن الرجل
هامش
( 1 ) راجع ج 12 ص 37 .
( 2 ) والصحيح أن سورة الحج مدنية بدليل آية الجهاد ، سيأتي في ج 12
من هذا التفسير .