بعد ، إذ لا يحصل في مقابلة الضلال الذي معناه النسيان إلا الذكر ، وهو معنى قراءة الجماعة
" فتذكر " بالتشديد ، أي تنبهها إذا غفلت ونسيت .
قلت : وإليها ترجع قراءة أبى عمرو ، أي إن تنس إحداهما فتذكرها الأخرى ، يقال :
تذكرت الشئ وأذكرته غيري وذكرته بمعنى ، قاله في الصحاح .
الثامنة والثلاثون - قوله تعالى : ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) قال الحسن :
جمعت هذه الآية أمرين ، وهما ألا تأبى إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة ، ولا إذا دعيت إلى
أدائها ، وقاله ابن عباس . وقال قتادة والربيع وابن عباس : أي لتحملها وإثباتها في الكتاب .
وقال مجاهد : معنى الآية إذا دعيت إلى أداء شهادة وقد حصلت عندك . وأسند النقاش
إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الآية بهذا ، قال مجاهد : فأما إذا دعيت لتشهد أولا
فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا ، وقال أبو مجلز وعطاء وإبراهيم وابن جبير والسدي
وابن زيد وغيرهم ( 1 ) . وعليه فلا يجب على الشهود الحضور عند المتعاقدين ، وإنما على المتداينين أن
يحضرا عند الشهود ، فإذا حضراهم وسألاهم إثبات شهادتهم في الكتاب فهذه الحالة التي يجوز
أن تراد بقوله تعالى : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " لاثبات الشهادة فإذا ثبتت شهادتهم
ثم دعوا لإقامتها عند الحاكم فهذا الدعاء هو بحضورهما عند الحاكم ( 2 ) ، على ما يأتي . وقال ( 3 )
ابن عطية : والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب ، فالمسلمون مندوبون إلى
معونة إخوانهم ، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والامن من تعطيل الحق ( 4 ) فالمدعو مندوب ،
وله أن يتخلف لأدنى عذر ، وإن تخلف لغير ( 5 ) عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له . وإذا كانت
الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف قوى الندب وقرب من الوجوب ، وإذا علم أن
الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها ، لا سيما إن كانت محصلة
وكان الدعاء إلى أدائها ، فإن هذا الظرف آكد ، لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء .
قلت : وقد يستلوح من هذه الآية دليل على أن جائزا للامام أن يقيم للناس شهودا ويجعل
لهم من بيت المال كفايتهم ، فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق الناس حفظا لها ، وإن لم
هامش
( 1 ) في ب : وعطية فلا يجب الخ .
( 2 ) في ب : الحكم .
( 3 ) في ط وب : قاله
أبن عطية .
( 4 ) في ه : الحقوق .
( 5 ) في ط : العذر .