والمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرفة به دالة عليه . قال مجاهد
والحسن وغيرهما : يعنى الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من فلق البحر والظلل من
الغمام والعصا واليد وغير ذلك . وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ .
قوله تعالى : ( ومن يبدل نعمة الله من بعد جاءته ) لفظ عام لجميع العامة ، وإن كان
المشار إليه بني إسرائيل ، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ،
فاللفظ ( 1 ) منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى . وقال الطبري : النعمة هنا الاسلام ، وهذا
قريب من الأول . ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش ، فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم
فيهم نعمة عليهم ، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا .
قوله تعالى : ( فإن الله شديد العقاب ) خبر يتضمن الوعيد . والعقاب مأخوذ من
العقب ، كأن المعاقب يمشى بالمجازاة له في آثار عقبه ، ومنه عقبة ( 2 ) الراكب وعقبة القدر ( 3 ) .
فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب ، وقد عاقبه بذنبه .
قوله تعالى : زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين
آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة والله يرزق من يشاء
بغير حساب ( 212 )
قوله تعالى : ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) على ما لم يسم فاعله . والمراد رؤساء
قريش . وقرأ مجاهد وحميد بن قيس على بناء الفاعل . قال النحاس : وهي قراءة شاذة ، لأنه
لم يتقد للفاعل ذكر . وقرأ ابن أبي عبلة " زينت " بإظهار العلامة ، وجاز ذلك لكون
التأنيث غير حقيقي ، والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر ، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته
وإغوائه . وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة ، وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم
عن الآخرة بسببها . وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا ،
هامش
( 1 ) في من " فالجحود " .
( 2 ) عقبة الراكب ( بضم فسكون ) : الموضع يركب منه .
( 3 ) في هامش ب " في الصحاح : والعقبة أيضا شئ من المرق يرده مستعير القدر إذا ردها " .