وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله ، وحز رأسه وجعله في مخلاته ، واختلط الناس
وحمله أصحاب طالوت فكانت الهزيمة . وقد قيل : إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع
أنفه ، وقيل : عينه ( 1 ) وخرج من قفاه ، وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم . وقيل : إن الحجر
تفتت حتى أصاب كل من في العسكر شئ منه ، وكان كالقبضة التي رمى بها النبي صلى الله
عليه وسلم هوازن يوم حنين ، والله أعلم . وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي ، وقد
ذكرت لك منها المقصود والله المحمود .
قلت : وفى قول طالوت : " من يبرز له ويقتله فإني أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي "
معناه ثابت في شرعنا ، وهو أن يقول الامام : من جاء برأس فله كذا ، أو أسير فله كذا على ما يأتي
بيانه في " الأنفال ( 2 ) " إن شاء الله تعالى . وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلا بإذن الامام ،
كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما . واختلف فيه عن الأوزاعي فحكى عنه أنه قال : لا يحمل
أحد إلا بإذن إمامه . وحكى عنه أنه قال : لا بأس به ، فإن نهى الامام عن البراز فلا يبارز
أحد إلا بإذنه . وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الامام ولا بغير إذنه ، هذا قول مالك .
سئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين : من يبارز ؟ فقال : ذلك إلى نيته إن كان يريد
بذلك الله فأرجو ألا يكون به بأس ، قد كان يفعل ذلك فيما مضى . وقال الشافعي : لا بأس
بالمبارزة . قال ابن المنذر : المبارزة بإذن الامام حسن ، وليس على من بارز بغير إذن الإمام
حرج ، وليس ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبرا يمنع منه .
( وآتاه الله الملك والحكمة ) قال السدى : أتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون . والذي
علمه هو صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه صلى الله عليه وسلم . وقال
ابن عباس : هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة والفلك ورأسها عند صومعة داود ،
فكان لا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة فيعلم داود ما حدث ، ولا يمسها
ذو عاهة إلا برئ ، وكانت علامة دخول قومه في الدين أن يمسوها بأيديهم ثم يمسحون أكفهم
على صدورهم ، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت .
هامش
( 1 ) في ه وز : عينيه ، وفى ا : " وفقأ عينه " .
( 2 ) راجع ج 7 ص 363