وإذا هدأ الأنين لم يسيروا ولم يسر التابوت . وقيل : كانوا يضعونه في مأزق الحرب فلا تزال
تغلب حتى عصوا فغلبوا وأخذ منهم التابوت وذل أمرهم ، فلما رأوا آية الاصطلام ( 1 ) وذهاب
الذكر ، أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم حتى اجتمع ملؤهم أن قالوا لنبي الوقت : أبعث لنا
ملكا ، فلما قال لهم : ملككم طالوت راجعوه فيه كما أخبر الله عنهم ، فلما قطعهم بالحجة سألوه
البينة على ذلك ، في قول الطبري . فلما سألوا نبيهم البينة على ما قال ، دعا ربه فنزل بالقوم الذين
أخذوا التابوت داء بسببه ، على خلاف في ذلك . قيل : وضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام
فكانت الأصنام تصبح منكوسة . وقيل : وضعوه في بيت أصنامهم تحت الصنم الكبير
فأصبحوا وهو فوق الصنم ، فأخذوه وشدوه إلى رجليه فأصبحوا وقد قطعت يدا الصنم ورجلاه
وألقيت تحت التابوت ، فأخذوه وجعلوه في قرية قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم .
وقيل : جعلوه في مخرأة قوم فكانوا يصيبهم الباسور ( 2 ) ، فلما عظم بلاؤهم كيفما كان ، قالوا :
ما هذا إلا لهذا التابوت ! فلنرده إلى بني إسرائيل فوضعوه على عجلة بين ثورين وأرسلوهما
في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل ، وبعث الله ملائكة تسوق البقرتين ( 3 ) حتى دخلنا على
بني إسرائيل ، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر ، وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه
الرواية . وروى أن الملائكة جاءت به تحمله وكان يوشع بن نون قد جعله في البرية ، فروى
أنهم رأوا التابوت في الهواء حتى نزل بينهم ، قاله الربيع بن خيثم . وقال وهب بن منبه :
كان قدر التابوت نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين . الكلبي : وكان من عود شمسار ( 4 ) الذي
يتخذ منه الأمشاط . وقرأ زيد بن ثابت " التابوه " وهي لغته ، والناس على قراءته بالتاء
وقد تقدم . وروى عنه " التيبوت " ذكره النحاس . وقرأ حميد بن قيس " يحمله " بالياء .
قوله تعالى : ( فيه سكينة من ربكم وبقية ) اختلف الناس في السكينة والبقية ، فالسكينة
فعيلة مأخوذة من السكون والوقار والطمأنينة . فقوله " فيه سكينة " أي هو سبب سكون
هامش
( 1 ) الاصطلام : الاستئصال والإبادة .
( 2 ) في ز ، وابن عطية : " الناسور " بالنون .
( 3 ) كذا في الأصول ، وفى الطبري : الثورين .
( 4 ) في ح وا وج بالشين المعجمة والميم والسين
المهملة . والذي في ه والبحر بالمعجمتين بينهما ميم وفى معجم أسماء النبات " شمساد " ص 34