من الكتب ، كما قال تعالى : " بل هو قرآن مجيد . في لوح محفوظ " ( 1 ) [ البروج : 21 - 22 ] . قال الحسن : يعني
الصحف المطهرة في السماء . ( فيها كتب قيمة ) أي مستقيمة مستوية محكمة ، من قول
العرب : قام يقوم : إذا استوى وصح . وقال بعض أهل العلم : الصحف هي الكتب ،
فكيف قال في صحف فيها كتب ؟ فالجواب : أن الكتب هنا : بمعنى الاحكام ، قال الله
عز وجل : " كتب الله لأغلبن " ( 2 ) [ المجادلة : 21 ] بمعنى حكم . وقال صلى الله عليه وسلم : ( والله لأقضين
بينكما بكتاب الله ) ثم قضى بالرجم ، وليس ذكر الرجم مسطورا في الكتاب ، فالمعنى : لأقضين
بينكما بحكم الله تعالى . وقال الشاعر :
وما الولاء بالبلاء ( 3 ) فملتم * وما ذاك قال الله إذ هو يكتب
وقيل : الكتب القيمة : هي القرآن ، فجعله كتبا لأنه يشتمل على أنواع من البيان .
قوله تعالى : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد
ما جاءتهم البينة ( 4 )
قوله تعالى : ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ) أي من اليهود والنصارى . خص
أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين ، لأنهم مظنون بهم علم
فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف . ( إلا من بعد ما جاءتهم
البينة ) أي أتتهم البينة الواضحة . والمعني به محمد صلى الله عليه وسلم ، أي القرآن موافقا
لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته . وذلك أنهم كانوا مجتمعين على نبوته ، فلما بعث
جحدوا نبوته وتفرقوا ، فمنهم من كفر : بغيا وحسدا ، ومنهم من آمن ، كقوله تعالى :
" وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم " ( 4 ) [ الشورى : 14 ] . وقيل : " البينة " : البيان الذي في كتبهم
أنه نبي مرسل . قال العلماء : من أول السورة إلى قوله " قيمة " [ البينة : 5 ] : حكمها فيمن آمن من أهل
الكتاب والمشركين . وقوله : " وما تفرق " : حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجج .
هامش
( 1 ) آخر سورة البروج .
( 2 ) آية 21 سورة المجادلة .
( 3 ) كذا في الأصل ، ولم نقف على هذا
البيت فيما لدينا من المراجع . ولعل صوابه : * ومال الولاة بالبلاء فملتم . . الخ *
( 4 ) آية 14 سورة الشورى .