واتقوا الله لعلكم تفلحون " ( 1 ) [ آل عمران : 200 ] . وقال قوم منهم الجرجاني : هذا قول مدخول ، لأنه يجب
على هذا التدريج إذا قال الرجل : إن مع الفارس سيفا ، إن مع الفارس سيفا ، أن يكون الفارس
واحدا والسيف اثنان . والصحيح أن يقال : إن الله بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم
مقلا مخفا ، فعيره المشركون بفقره ، حتى قالوا له : نجمع لك مالا ، فاغتم وظن أنهم كذبوه لفقره ،
فعزاه الله ، وعدد نعمه عليه ، ووعده الغنى بقوله : " فإن مع العسر يسرا " أي لا يحزنك
ما عيروك به من الفقر ، فإن مع ذلك العسر يسرا عاجلا ، أي في الدنيا . فأنجز له ما وعده ،
فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن ، ووسع ذات يده ، حتى كان يعطي الرجل المائتين من
الإبل ، ويهب الهبات السنية ، ويعد لأهله قوت سنة . فهذا الفضل كله من أمر الدنيا ،
وإن كان خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء الله تعالى .
ثم ابتدأ فضلا آخرا من الآخرة وفيه تأسية وتعزية له صلى الله عليه وسلم ، فقال مبتدئا : " إن
مع العسر يسرا " فهو شئ آخر . والدليل على ابتدائه ، تعريه من فاء أو واو أو غيرها من حروف
النسق التي تدل على العطف . فهذا وعد عام لجميع المؤمنين ، لا يخرج أحد منه ، أي إن مع
العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة لا محالة . وربما اجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة .
والذي في الخبر : [ لن يغلب عسر يسرين ] يعني العسر الواحد لن يغلبهما ، وإنما يغلب
أحدهما إن غلب ، وهو يسر الدنيا ، فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة ، ولن يغلبه شئ . أو يقال :
" إن مع العسر " وهو إخراج أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة " يسرا " ، وهو دخوله
يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل ، مع عز وشرف .
قوله تعالى : فإذا فرغت فانصب ( 7 ) وإلى ربك فارغب ( 8 )
فيه مسألتان :
الأولى - قوله تعالى : ( فإذا فرغت ) قال ابن عباس وقتادة : فإذا فرغت من صلاتك
" فانصب " أي بالغ في الدعاء وسله حاجتك . وقال ابن مسعود : إذا فرغت من الفرائض
هامش
( 1 ) آية سورة آل عمران .