مطلق الآية وظاهرها . الثانية - أن يطلبها العبد ويأباها السيد ، وفيها قولان : الأول :
لعكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك بن مزاحم وجماعة أهل الظاهر أن ذلك
واجب على السيد . وقال علماء الأمصار : لا يجب ذلك . وتعلق من أوجبها بمطلق الامر ،
وأفعل بمطلقه على الوجوب حتى يأتي الدليل بغيره . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن
عباس ، واختاره الطبري . واحتج داود أيضا بأن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك
الكتابة وهو مولاه فأبى أنس ، فرفع عمر عليه الدرة ، وتلا : " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " ،
فكاتبه أنس . قال داود : وما كان عمر ليرفع الدرة على أنس فيما له مباح ألا يفعله .
وتمسك الجمهور بأن الاجماع منعقد على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك ، ولم يجبر
عليه وإن ضوعف له في الثمن . وكذلك لو قال له أعتقني أو دبرني أو زوجني لم يلزمه ذلك
بإجماع ، فكذلك الكتابة ، لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراض . وقولهم : مطلق الامر يقتضى
الوجوب صحيح ، لكن إذا عري عن قرينة تقتضي صرفه عن الوجوب ، وتعليقه هنا بشرط
علم الخير فيه ، فعلق ( 1 ) الوجوب على أمر باطن وهو علم السيد بالخيرية . وإذا قال العبد : كاتبني ،
وقال السيد : لم أعلم فيك خيرا ، وهو أمر باطن ، فيرجع فيه إليه ويعول عليه . وهذا قوي في بابه .
الرابعة - واختلف العلماء في قوله تعالى : ( خيرا ) فقال ابن عباس وعطاء :
المال . مجاهد : المال والأداء . والحسن والنخعي : الدين والأمانة . وقال مالك : سمعت
بعض أهل العلم يقولون هو القوة على الاكتساب والأداء . وعن الليث نحوه ، وهو قول
الشافعي . وقال عبيدة السلماني : إقامة الصلاة والخير ( 2 ) . قال الطحاوي : وقول من قال إنه
المال لا يصح عندنا ، لان العبد مال لمولاه ، فكيف يكون له مال . والمعنى عندنا : إن
علمتم فيهم الدين والصدق ، وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما عليهم من
الكتابة والصدق في المعاملة فكاتبوهم . وقال أبو عمر : من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر
أن يقال إن علمتم فيهم مالا ، وإنما يقال : علمت فيه الخير والصلاح والأمانة ، ولا يقال :
علمت فيه المال ، وإنما يقال علمت عنده المال .
هامش
( 1 ) في ك : تعلق .
( 2 ) لعل كلمة " والخير " مقحمة . ولعل المراد بالخير سائر الخصال المحمودة .