كلي أصولي . ويترجح قول مالك والشافعي رحمهما الله من جهة نظر الفقه الجزئي بأن
يقال : الاستثناء راجع إلى الفسق والنهى ( 1 ) عن قبول الشهادة جميعا إلا أن يفرق بين ذلك
بخبر يجب التسليم له . وأجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الكفر ، فيجب أن يكون ما دون
ذلك أولى ، والله أعلم . قال أبو عبيد : الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة ، قال : وليس
من نسب إلى الزنى بأعظم جرما من مرتكب الزنى ، ثم الزاني إذا تاب قبلت شهادته ، لان
( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) . وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى ،
مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن ، منها قوله تعالى : " إنما جزاء
الذين يحاربون الله ورسوله - [ المائدة : 33 ] إلى قوله - إلا الذين تابوا ( 2 ) " [ المائدة : 34 ] . ولا شك أن هذا الاستثناء
إلى الجميع ، وقال الزجاج : وليس القاذف بأشد جرما من الكافر ، فحقه إذا تاب وأصلح أن
تقبل شهادته . قال : وقوله " أبدا " أي ما دام قاذفا ، كما يقال : لا تقبل شهادة الكافر
أبدا ، فإن معناه ما دام كافرا . وقال الشعبي للمخالف في هذه المسألة : يقبل الله توبته ولا تقبلون
شهادته ! ثم إن كان الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة عند أقوام من الأصوليين فقوله :
" وأولئك هم الفاسقون " تعليل لا جملة مستقلة بنفسها ، أي لا تقبلوا شهادتهم لفسقهم ،
فإذا زال الفسق فلم لا تقبل شهادتهم ؟ . ثم توبة القاذف إكذابه نفسه ، كما قال عمر لقذفة
المغيرة بحضرة الصحابة من غير نكير ، مع إشاعة القضية وشهرتها من البصرة إلى الحجاز وغير
ذلك من الأقطار . ولو كان تأويل الآية ما تأوله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك عن
الصحابة ، ولقالوا لعمر : لا يجوز قبول توبة القاذف أبدا ، ولم يسعهم السكوت عن القضاء
بتحريف تأويل الكتاب ، فسقط قولهم ، والله المستعان .
الخامسة والعشرون - قال القشيري : ولا خلاف أنه إذا لم يجلد القاذف بأن مات
المقذوف قبل أن يطالب القاذف بالحد ، أو لم يرفع إلى السلطان ، أو عفا المقذوف ، فالشهادة
مقبولة ، لان عند الخصم في المسألة النهى عن قبول الشهادة معطوف على الجلد ، قال الله تعالى :
هامش
( 1 ) عبارة الأصل : " الاستثناء راجع إلى الفسق والتوبة جميعا . . . " والتصويب عن كتب الفقه .
( 2 ) راجع ج 6 ص 147 فما بعد .