ثم طلب أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه ، تحفظا من أن تقع الإجابة في الولد ولكن
يحترم ، ولا يتحصل منه الغرض .
السادسة - قال العلماء : دعاء زكريا عليه السلام في الولد إنما كان لاظهار دينه ،
وإحياء نبوته ، ومضاعفة لاجره لا للدنيا ، وكان ربه قد عوده الإجابة ، ولذلك قال :
" ولم أكن بدعائك رب شقيا " أي بدعائي إياك . وهذه وسيلة حسنة ، أن يتشفع إليه بنعمه ،
ويستدر ( 1 ) فضله بفضله ، يروى أن حاتم الجود لقيه رجل فسأله ، فقال له حاتم : من أنت ؟ قال :
أنا الذي أحسنت إليه عام أول ، فقال : مرحبا بمن تشفع إلينا بنا . فإن قيل كيف أقدم
زكريا على مسألة ما يخرق العادة دون إذن ؟ فالجواب أن ذلك جائز في زمان الأنبياء وفي
القرآن ما يكشف عن هذا المعنى ، فإنه تعالى قال : " كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد
عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب " [ آل عمران : 37 ]
فلما رأى خارق العادة استحكم طمعه في إجابة دعوته ، فقال تعالى : " هنالك دعا زكريا ربه
قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة " ( 2 ) [ آل عمران : 38 ] الآية .
السابعة - إن قال قائل : هذه الآية تدل على جواز الدعاء بالولد ، والله سبحانه وتعالى
قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد ، ونبه على المفاسد الناشئة من ذلك ، فقال : " إنما
أموالكم وأولادكم فتنة " ( 3 ) [ التغابن : 15 ] . " إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " ( 3 ) [ التغابن : 14 ] . فالجواب
أن الدعاء بالولد معلوم من الكتاب والسنة حسب ما تقدم في " آل عمران " ( 2 ) بيانه . ثم إن زكريا
عليه السلام تحرز فقال : ( ذرية طيبة ) وقال : " واجعله رب رضيا " . والولد إذا كان
بهذه الصفة نفع أبويه في الدنيا والآخرة ، وخرج من حد العداوة والفتنة إلى حد المسرة والنعمة
وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لانس خادمه فقال : ( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما
أعطيته ) فدعا له بالبركة تحرزا مما يؤدي إليه الاكثار من الهلكة . وهكذا فليتضرع العبد إلى
مولاه في هداية ولده ، ونجاته في أولاه وأخراه اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء ،
[ الأولياء ] ( 4 ) وقد تقدم في " آل عمران " ( 2 ) بيانه .
هامش
( 1 ) في ا وج : ويسأله ( 2 ) راجع ج 4 ص 72 فما بعد .
( 3 ) راجع ج 18 ص 140 فما بعد .
( 4 ) من ج وك وى .