وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود ، وعلى هذا " ففهمناها سليمان " أي بطريق الوحي
الناسخ لما أوحى إلى داود ، وأمر سليمان أن يبلغ ذلك داود ، ولهذا قال : " وكلا آتينا
حكما وعلما " . هذا قول جماعة من العلماء ومنهما ابن فورك . وقال الجمهور : إن حكمهما
كان باجتهاد وهي :
السادسة - واختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء فمنعه قوم ، وجوزه
المحققون ، لأنه ليس فيه استحالة عقلية ، لأنه دليل شرعي فلا إحالة أن يستدل به الأنبياء ،
كما لو قال له الرب سبحانه وتعالى : إذا غلب على ظنك كذا فاقطع بأن ما غلب على ظنك هو حكمي
فبلغه الأمة ، فهذا غير مستحيل في العقل . فإن قيل : إنما يكون دليلا إذا عدم النص وهم
لا يعدمونه . قلنا : إذا لم ينزل الملك فقد عدم النص عندهم ، وصاروا في البحث كغيرهم من
المجتهدين عن معاني النصوص التي عندهم . والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون
عن الخطأ ، وعن الغلط ، وعن التقصير في اجتهادهم ، وغيرهم ليس كذلك . كما ذهب الجمهور
في أن جميع الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الخطأ والغلط في اجتهادهم . وذهب
أبو علي ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أن نبينا صلى الله عليه وسلم مخصوص منهم
في جواز الخطأ عليهم ، وفرق بينه وبين غيره من الأنبياء أنه لم يكن بعده من يستدرك غلطه ،
ولذلك عصمه الله تعالى منه ، وقد بعث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك غلطه . وقد قيل :
إنه على العموم في جميع الأنبياء ، وأن نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم في تجويز الخطأ
على سواء إلا أنهم لا يقرون على إمضائه ، فلم يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء .
هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سألته امرأة عن العدة فقال لها : ( اعتدي حيث
شئت ) ثم قال لها : ( امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ) . وقال له رجل : أرأيت
لو قتلت صبرا محتسبا أيحجزني عن الجنة شئ ؟ فقال : ( لا ) ثم دعاه فقال : ( إلا الدين
كذا أخبرني جبريل عليه السلام ) .
السابعة - قال الحسن : لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة هلكوا ، ولكنه تعالى أثنى
على سليمان بصوابه ، وعذر داود باجتهاده . وقد اختلف الناس في المجتهدين في الفروع إذا
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 309
مساهمون: القرطبي
ص٣٠٩