لا تقبلا منه فيكون ذلك سببا لخروجكما " من الجنة " " فتشقى " يعني أنت وزوجك لأنهما
في استواء العلة واحد ، ولم يقل : فتشقيا لان المعنى معروف ، وآدم عليه السلام
هو المخاطب ، وهو المقصود . وأيضا لما كان الكاد عليها والكاسب لها كان بالشقاء أخص .
وقيل : الا خرج واقع عليهما والشقاوة على آدم وحده ، وهو شقاوة البدن ، ألا ترى أنه عقبه
بقوله : " إن لك ألا تجوع فيها ولا تعري " أي في الجنة " وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى "
فأعلمه أن له في الجنة هذا كله : الكسوة والطعام والشراب والمسكن ، وأنك إن ضيعت
الوصية ، وأطعت العدو أخرجكما من الجنة فشقيت تعبا ونصبا ، أي جعت وعريت وظمئت
وأصابتك الشمس ، لأنك ترد إلى الأرض إذا أخرجت من الجنة . وإنما خصه بذكر الشقاء
ولم يقل فتشقيان : يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج ، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على
الأزواج ، فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية . وأعلمنا
في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة : الطعام والشراب والكسوة
والمسكن ، فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها ، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور ،
فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها ، لان بها إقامة المهجة . قال الحسن المراد بقوله :
" فتشقى " شقاء الدنيا ، لا يرى ابن آدم إلا ناصبا . وقال الفراء : هو أن يأكل من كد يديه .
وقال سعيد بن جبير : أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ، ويمسح العرق عن جبينه ،
فهو شقاؤه الذي قال الله تبارك وتعالى . وقيل : لما أهبط من الجنة كان من أول شقائه
أن جبريل أنزل عليه حبات من الجنة ، فقال : يا آدم ازرع هذا ، فحرث وزرع ، ثم حصد
ثم درس ثم نقى ثم طحن ثم عجن ثم خبز ، ثم جلس ليأكل بعد التعب ، فتدحرج رغيفه من
يده حتى صار أسفل الجبل ، وجرى وراءه آدم حتى تعب وقد عرق جبينه ، قال : يا آدم
فكذلك رزقك بالتعب والشقاء ، ورزق ولدك من بعدك ما كنت في الدنيا .
قوله تعالى : ( إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى . وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى )
فيه مسئلتان :
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 253
مساهمون: القرطبي
ص٢٥٣