قوله تعالى : ( اذهب إلى فرعون إنه طغى ) لما آنسه بالعصا واليد ، وأراه ما يدل
على أنه رسول ، أمره بالذهاب إلى فرعون ، وأن يدعوه . و " طغى " معناه عصى وتكبر
وكفر وتجبر وجاوز الحد . ( قال رب أشرح لي صدري . ويسر لي أمري . وأحلل عقدة من
لساني يفقهوا قولي . واجعل لي وزيرا من أهلي . هارون أخي ) طلب الإعانة لتبليغ الرسالة .
ويقال : إن الله أعلمه بأنه ربط على قلب فرعون وأنه لا يؤمن ، فقال موسى : يا رب
فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه ، فأتاه ملك من خزان الريح فقال : يا موسى
انطلق إلى ما أمرك الله به . فقال موسى عند ذلك : " رب أشرح لي صدري " أي وسعه
ونوره بالايمان والنبوة . ( ويسر لي أمري ) أي سهل علي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى
فرعون . ( وأحلل عقدة من لساني ) يعني العجمة التي كانت فيه من جمرة النار التي أطفأها
في فيه وهو طفل . قال ابن عباس : كانت في لسانه رتة . وذلك أنه كان في حجر فرعون
ذات يوم وهو طفل فلطمه لطمة ، وأخذ بلحيته فنتفها فقال فرعون لآسية : هذا عدوي
فهات الذباحين . فقالت آسية : على رسلك فإنه صبي لا يفرق بين الأشياء . ثم أتت
بطستين فجعلت في أحدهما جمرا وفي الآخر جوهرا فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على
النار حتى رفع جمرة ووضعها في فيه على لسانه ، فكانت تلك الرتة . وروي أن يده احترقت
وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ . ولما دعاه قال إي رب تدعوني ؟ قال : إلى
الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها . وعن بعضهم : إنما لم تبرأ يده لئلا يدخلها مع فرعون
في قصعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المؤاكلة . ثم اختلف هل زالت تلك الرتة ، فقيل :
زالت بدليل قوله " قد أوتيت سؤلك يا موسى " [ طه : 36 ] وقيل : لم تزل كلها ، بدليل قوله حكاية
عن فرعون : " ولا يكاد يبين " ( 1 ) [ الزخرف : 52 ] . ولأنه لم يقل : أحلل كل لساني ، فدل على أنه بقي
في لسانه شئ من الاستمساك . وقيل : زالت بالكلية بدليل قوله " أوتيت سؤلك " [ طه : 36 ]
وإنما قال فرعون : " ولا يكاد يبين " [ الزخرف : 52 ] لأنه عرف منه تلك العقدة في التربية ، وما ثبت
عنده أن الآفة زالت .
هامش
( 1 ) راجع ج 16 ص 99 .