قلت : وقد احتج أهل المقالة الأولى بأن السلام الذي معناه التحية إنما خص به هذه
الأمة ، لحديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى أعطى
أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة ) الحديث ، ذكره الترمذي الحكيم ،
وقد مضى في الفاتحة ( 1 ) بسنده . وقد مضى الكلام في معنى قوله : " سأستغفر لك ربي " .
وارتفع السلام بالابتداء ، وجاز ذلك مع نكرته لأنه نكرة مخصصة فقرنت المعرفة .
قوله تعالى : ( إنه كان بي حفيا ) : الحفي المبالغ في البر والالطاف ، يقال : حفي به
وتحفى إذا بره . وقال الكسائي يقال : حفي بي حفاوة وحفوة . وقال الفراء : " إنه كان بي
حفيا " أي عالما لطيفا يجيبني إذا دعوته .
قوله تعالى : ( واعتزلكم ) : العزلة المفارقة وقد تقدم في " الكهف " ( 2 ) بيانها . وقوله :
( عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ) قيل : أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلا
وولدا يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه . ولهذا قال : ( فلما اعتزلهم وما يعبدون
من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب )
أي آنسنا وحشته بولد ، عن ابن عباس وغيره .
وقيل : " عيسى " يدل على أن العبد لا يقطع بأنه يبقى على المعرفة أم لا في المستقبل . وقيل :
دعا لأبيه بالهداية . ف " عسى " شك لأنه كان لا يدري هل يستجاب له فيه أم لا ؟ والأول
أظهر . وقوله : ( وجعلنا لهم لسان صدق عليا ) أي أثنينا عليهم ثناء حسنا ، لان جميع الملل
تحسن الثناء عليهم . واللسان يذكر ويؤنث ، وقد تقدم ( 3 ) .
قوله تعالى : واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان
رسولا نبيا ( 51 ) وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ( 52 )
ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ( 53 )
هامش
( 1 ) راجع ج 1 ص 130 .
( 2 ) راجع ج 10 ص 367 .
( 3 ) راجع ج 1 ص 121 .