مركب . وحكى الطبري عن جماعة أن التفضيل هو أن يأكل بيده وسائر الحيوان بالفم .
وروى عن ابن عباس ، ذكره المهدوي والنحاس ، وهو قول الكلبي ومقاتل ، ذكره
الماوردي . وقال الضحاك : كرمهم بالنطق والتمييز . عطاء : كرمهم بتعديل القامة
وامتدادها . يمان : بحسن الصورة . محمد بن كعب : بأن جعل محمدا صلى الله عليه وسلم منهم .
وقيل أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب . وقال محمد بن جرير الطبري : بتسليطهم على سائر
الخلق ، وتسخير سائر الخلق لهم . وقيل : بالكلام والخط . وقيل : بالفهم والتمييز . والصحيح
الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف ، . وبه يعرف الله ويفهم
كلامه ، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله ، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت
الرسل وأنزلت الكتب . فمثال الشرع الشمس ، ومثال العقل العين ، فإذا فتحت وكانت
سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء . وما تقدم من الأقوال بعضه أقوى من
بعض . وقد جعل الله في بعض الحيوان خصالا يفضل بها ابن آدم أيضا ، كجري الفرس
وسمعه وإبصاره ، وقوة الفيل وشجاعة الأسد وكرم الديك . وإنما التكريم والتفضيل بالعقل
كما بيناه . والله أعلم .
الثانية - قالت فرقة : هذه الآية تقتضي تفضيل الملائكة على الإنس والجن من
حيث إنهم المستثنون في قوله تعالى : " ولا الملائكة المقربون ( 1 ) " . وهذا غير لازم من الآية ،
بل التفضيل فيها بين الإنس والجن ، فإن هذه الآية إنما عدد الله فيها على بني آدم ما خصهم به
من سائر الحيوان ، والجن هو الكثير المفضول ، والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول ،
ولم تتعرض الآية لذكرهم ، بل يحتمل أن الملائكة أفضل ، ويحتمل العكس ، ويحتمل
التساوي ، وعلى الجملة فالكلام لا ينتهى في هذه المسألة إلى القطع . وقد تحاشى قوم من
الكلام في هذا كما تحاشوا من الكلام في تفضيل بعض الأنبياء على بعض ، إذ في الخبر
" لا تخايروا بين الأنبياء ولا تفضلوني على يونس بن متى " . وهذا ليس بشئ ، لوجود
هامش
( 1 ) راجع ج ص 26 .