على منبره نزو القردة ، فساءه ذلك فقيل : إنما هي الدنيا أعطوها ، فسرى عنه ، وما كان له
بمكة منبر ولكنه يجوز أن يرى بمكة رؤيا المنبر بالمدينة . وهذا التأويل الثالث قاله أيضا سهل
بن سعد رضي الله عنه . قال سهل إنما هذه الرؤيا هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يرى بنى أمية ينزون على منبره نزو القردة ، فاغتم لذلك ، وما استجمع ضاحكا من يومئذ
حتى مات صلى الله عليه وسلم . فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من تملكهم وصعودهم يجعلها الله
فتنة للناس وامتحانا . وقرأ الحسن بن علي في خطبته في شأن بيعته لمعاوية : " وإن أدرى
لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ( 1 ) " . قال ابن عطية : وفى هذا التأويل نظر ، ولا يدخل في هذه
الرؤيا عثمان ولا عمر بن عبد العزيز ولا معاوية .
قوله تعالى : ( والشجرة الملعونة في القرآن ) فيه تقديم وتأخير ، أي ما جعلنا الرؤيا التي
أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس . وفتنتها أنهم لما خوفوا بها قال أبو جهل
استهزاء : هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة ، ثم يزعم أنها تنبت الشجر والنار تأكل الشجر ،
وما نعرف الزقوم إلا التمر والزبد ، ثم أمر أبو جهل جارية فأحضرت تمرا وزبدا وقال
لأصحابه : تزقموا . وقد قيل : إن القائل ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد ابن الزبعرى حيث
قال : كثر الله من الزقوم في داركم ، فإنه التمر بالزبد بلغة اليمن . وجائز أن يقول كلاهما ذلك .
فافتتن أيضا لهذه المقالة بعض الضعفاء ، فأخبر الله تعالى نبيه عليه السلام أنه إنما جعل
الاسراء وذكر شجرة الزقوم فتنة واختبارا ليكفر من سبق عليه الكفر ويصدق من سبق له
الايمان . كما روى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قيل له صبيحة الاسراء : إن صاحبك
يزعم أنه جاء البارحة من بيت المقدس فقال : إن كان قال ذلك فلقد صدق . فقيل له :
أتصدقه قبل أن تسمع منه ؟ فقال : أبن عقولكم ؟ أنا أصدقه بخبر السماء ، فكيف لا أصدقه
بخبر بيت المقدس ، والسماء أبعد منها بكثير .
هامش
( 1 ) راجع ج 11 ص 350 .