في صنعنا من الحقير ، فقلت : ليس كما زعمت فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
رئيس الزهاد قبة من أدم طائفي يسافر معها ويستظل بها ، فبهت ، ورأيته على منزلة من العي
فتركته مع صاحبي وخرجت عنه .
الثالثة - : ( . من أصوافها وأوبارها وأشعارها ) أذن الله سبحانه بالانتفاع
بصوف الغنم ووبر الإبل وشعر المعز ، كما أذن في الأعظم ، وهو ذبحها وأكل لحومها ، ولم يذكر
القطن والكتان لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به ، وإنما عدد عليهم ما أنعم به عليهم ،
وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا . وما قام مقام هذه وناب منابها فيدخل في الاستعمال والنعمة
مدخلها ، وهذا كقوله تعالى : " وينزل من السماء من جبال فيها من برد ( 1 ) " فخاطبهم بالبرد
لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيرا عندهم ، وسكت عن ذكر الثلج ، لأنه لم يكن في بلادهم ، وهو
مثله في الصفة والمنفعة ، وقد ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم معا في التطهير فقال : " اللهم
اغسلني بماء وثلج وبرد " . قال ابن عباس : الثلج شئ أبيض ينزل من السماء وما رأيته قط .
وقيل : إن ترك ذكر القطن والكتان إنما كان إعراضا عن الترف ، إذ ملبس عباد الله
الصالحين إنما هو الصوف " وهذا فيه نظر ، فإنه سبحانه يقول : " يا بني آدم قد أنزلنا
عليكم لباسا يوارى سوآتكم " حسبما تقدم بيانه في " الأعراف ( 2 ) " وقال هنا : " وجعل لكم
سرابيل " فأشار إلى القطن والكتان في لفظة " سرابيل " والله أعلم . و " أثاثا " قال
الخليل : متاعا منضما بعضه إلى بعض ، من أث إذا كثر . قال :
وفرع يزين المتن أسود فاحم * أثيث كقنو النخلة المتعثكل
ابن عباس : " أثاثا " ثيابا .
وتضمنت هذه الآية جواز الانتفاع بالأصواف
والأوبار والاشعار على كل حال ، ولذلك قال أصحابنا : صوف الميتة وشعرها طاهر يجوز
هامش
( 1 ) راجع ج 12 ص 289 .
( 2 ) راجع ج 7 ص 182 .
( 3 ) البيت من معلقة
امرئ القيس . والفرع : الشعر التام و . والمتن والمتنة : ما عن يمين الصلب وشماله من العصب واللحم . والفاحم : الشديد
السواد . والقنو ( بالكسر والضم ) : العذق وهو شمراخ . والمتعثكل : الذي قد دخل بعضه في بعض لكثرته .