الرجل بمعنى استغنى ، وأغناه الله . وتغانوا أي استغنى بعضهم عن بعض . قال المغيرة بن
حبناء التميمي :
كلانا غنى عن أخيه حياته * ونحن إذا متنا أشد تغانيا
وإلى هذا التأويل ذهب سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح ، ورواه سفيان عن سعد بن أبي
وقاص . وقد روى عن سفيان أيضا وجه آخر ذكره إسحاق بن راهويه ، أي يستغني به
عما سواه من الأحاديث . والى هذا التأويل ذهب البخاري محمد بن إسماعيل لإتباعه الترجمة
بقوله تعالى " أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ( 1 ) " . والمراد الاستغناء بالقرآن
عن علم أخبار الأمم ، قاله أهل التأويل . وقيل : إن معنى يتغنى به ، يتحزن به ، أي يظهر على
قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند قراءته وتلاوته ، وليس من الغنية ، لأنه لو كان من الغنية
لقال : يتغانى به ، ولم يقل يتغنى به ذهب إلى هذا جماعة من العلماء : منهم الإمام أبو محمد
ابن حبان البستي ، واحتجوا بما رواه مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال : رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء . الأزيز ( بزايين ) :
صوت الرعد وغليان القدر . قالوا : ففي هذا الخبر بيان واضح على أن المراد بالحديث التحزن ،
وعضدوا هذا أيضا بما رواه الأئمة عن عبد الله قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اقرأ على "
فقرأت عليه سورة " النساء " حتى إذا بلغت " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا
بك على هؤلاء شهيدا " فنظرت إليه فإذا عيناه تدمعان . فهذه أربع تأويلات ، ليس فيها
ما يدل على القراءة بالألحان والترجيع فيها . وقال أبو سعيد بن الأعرابي في قوله صلى الله
عليه وسلم : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " قال : كانت العرب تولع بالغناء والنشيد في أكثر
أقوالها ، فلما نزل القرآن أحبوا أن يكون القرآن هجيراهم ( 3 ) مكان الغناء ، فقال : " ليس منا من
لم يتغن بالقرآن " .
التأويل الخامس - ما تأوله من استدل به على الترجيع والتطريب ، فذكر عمر بن شبة
قال : ذكرت لأبي عاصم النبيل تأول ابن عيينة في قوله : " يتغن " يستغنى ، فقال :
هامش
( 1 ) آية 51 سورة العنكبوت .
( 2 ) آية 41 سورة النساء .
( 3 ) هجيراهم : دأبهم وعادتهم .