وجوب الشئ يحكم بوجوب مقدماته وحرمة نقيضه ووجوب امتثاله ، كان ذلك
الحكم واقعيا أو ظاهريا ، فترتيب هذه الآثار من جهة إنها أثر للأعم من الظاهري
والواقعي لا ربط له بالأصل المثبت ، ولذا ترى من لا يقول بالأصل المثبت بالنسبة
إلى الآثار الشرعية المترتبة على الآثار العقلية قائل بحجيته بالنسبة إلى هذه الآثار ،
وكذا بالنسبة إلى التطبيقات العقلية المتعلقة بتطبيق الحكم الكلي المستصحب على
موارد ومصاديق موضوعه ، مع إن التطبيق بيد العقل وبتوسيطه ، فلا يمكن للقائل
بحجية المثبت التشبث والتمسك بهذه الأمور ، ويثبت حجيته ببركتها ، لان هذ الأمور
لا تكون مربوطة بالأصل المثبت وكانت خارجة عن محل النزاع ، وهذا واضح لا
خدشة فيه في كثير من الموارد ، لكن قد يتوهم إنه لاوجه لجريان الأصل فيما إذا كان
الشك في بقاء الحكم ناشئا عن الشك في القدرة على الامتثال ، فإنه يوجب الشك في
توجه النهي عن نقض اليقين أيضا ، وإذ لا يعلم بتوجهه فلا يحصل علم بالحكم الظاهري
أيضا حتى يجب امتثاله عقلا ، مثلا إذا نذر إطعام زيد في يوم الجمعة الآتية ثم شك
في بقائه إليه ، فحينئذ يحصل له شك في وجوب الوفاء بالنذر وفي توجه النهي عن نقض
اليقين بالشك إليه باعتبار هذا الوجوب الذي منشأه الشك في القدرة على الامتثال ،
فلا يبقى مورد للتمسك بالأصل في المقام ، ولكن يمكن الذب عنه بجوابين ثانيهما أمتن
من الأول ، وهو إن القدرة وإن كانت معتبرة في صحة التكليف ووقوعه ، وإذا شك
فيها ينشأ منه شك في الحكم ومعه لا يلزم العقل بإتيان مقدمات متعلق التكليف في
الجملة ، إلا إن الالزام بإيجاد المقدمات ليس دائرا مدار القطع بالقدرة على الامتثال ، إذ
ربما يعلم بالغرض والامر ويشك في بقاء الثاني وزواله ، لاحتمال طرو ما يمنع المولى
عن الالزام الفعلي مع تعلق غرضه بالفعل من ضيق خناق أو غيره ، كانتفاء القدرة ،
ولا ريب في حكم العقل حينئذ بالشروع في المقدمة والتهيؤ للاتيان وللامتثال
احتياطا ، فبمجرد العلم بالغرض يرى النهي عن النقض متوجها فيوجب امتثاله ، وأما
الثاني فهو إن النقض لو كان حكما مولويا نفسيا زاجرا عنه على الاطلاق لكان الشك
في القدرة على امتثال موجبا للشك في توجهه ، وأما على تقدير طريقيته فلا ، فإن شأن
الاحكام الطريقية إنها واقعية على تقدير موافقتها للواقع ، وأحكام صورية على
تنقيح الأصول ، خلاصة ما استفاده من أبحاث الشيخ ضياء الدين العراقي — صفحة 366
مساهمون: السيد محمد رضا الطباطبائي
ص٣٦٦