هذا من جهة ما ارتكز في الأذهان من كاشفية الامارة وكونها بمنزلة العلم عند
العقلاء ، لما كان لذلك وجه سيما عدم تأسيس جديد من الشرع بالنسبة إلى الطرق
والامارة ، ولما كان هذا التقديم مسلما من كل من أعمل الرأي واجتهد ، وكاشفا عن
كون الامارة منزلة منزلة العلم ، فلا حاجة إلى جعل الحجية بالمعنى المختار ( للكفاية )
فإن التنزيل مورد للامضاء وبعده لا تمس الحاجة إلى جعل أمر آخر ينجز أو يعذر ،
فظهر من هذا المعنى المذكور في الكفاية وإن كان معقولا وقابلا للجعل بنفسه
وبحقيقته ، إلا إنه لا داعي إلى المسير إليه ، وأما المعنى الثاني فهو على ما تقدم ليس
جعليا ولا قابلا للالتزام به ، فإنه مستلزم للتشبيه والتنزيل بلا وجه شبه وجامع يقتضي
للتشبيه والتنزيل ، وأما المعنى الثالث المختار فهو خال عن المحذور المذكور ومناسب
لظاهر قوله عليه السلام ( خذوا ما رووا ) وقد لا تنقض اليقين ، فتحصل إن الحجية إما
عين الالزام بالفعل أو الترك طريقا إلى الواقع عند قيام الامارة أو انطباق الأصل ،
وأما منتزعة عنه ، وأما المعنى الأول فهو وإن كان ممكنا ومعقولا ، إلا إنه لا ينبغي
أن يصار إليه إلا في صورة انتفاء تنزيل الامارة منزلة العلم شرعا ، ومن الأحكام الوضعية
الطهارة والنجاسة ، وقد وقع النزاع في إنهما أمران واقعيا كشف عنهما
الشارع أو تنزيليان ادعائيان في بعض الموارد دون بعض ، أو أمران اعتباريان جعليان
أو منتزعان عن التكليف ، فالاحتمالات فيهما أربعة ( أحدها ) إنهما من الأمور
الواقعية التي كشف عنهما الشارع في موارد خفائها على العرف ، مثل المصالح والمفاسد
المترتبة على بعض الأفعال التي يرون العرف فيها صلاحا أو فسادا ، لكن الشارع كشف
عنهما بالامر به أو النهي عنه أو بيان الاجتزاء ببعض الشئ أو عدمه عند تعذر كله ،
كما يرون العرف جزء الشئ ميسورا منه ، ولكن الشارع لا يراه كذلك لبعده عن
الغرض ، وربما ينعكس الامر فيرى الشارع بعضه ميسورا منه بخلاف العرف لقربه
إلى الغرض ، وبالجملة فكما إن بعضا من الشئ ربما يكون وافيا بالمهم من الغرض منه
ويبين الشارع جواز الاجتزاء به عند تعذر الكل وإن لم يكن ذلك البعض ميسورا
منه عرفا ، وربما لا يكون كذلك وإن كان ميسورا عرفا وعلى حال ، فيكون جواز
الاكتفاء وعدمه ببعض الشئ دون بعض كاشفا عن أمر واقعي هو الوفاء بالمهم
تنقيح الأصول ، خلاصة ما استفاده من أبحاث الشيخ ضياء الدين العراقي — صفحة 247
مساهمون: السيد محمد رضا الطباطبائي
ص٢٤٧