لمطلق المتيقن المشكوك موضوعا كان أو حكما كليا أو جزئيا تكليفيا أو وضعيا
كان دليله اللفظ أو اللب مجال واسع ، ولكان الحق مع الأخباريين القائلين بجواز
الاستصحاب في الشبهات الموضوعية فقط ، فإن غاية ما يتصور وجها للعموم هو إطلاق
النهي عن نقض اليقين بالشك ، وقد تقرر في محله إن وجود القدر المتيقن في مقام
التخاطب مانع عنه ، فلا إطلاق لشئ من هذه النواهي ، إلا إنك قد عرفت دلالة رواية
الخصال على الاستصحاب وظهورها فيه لا على قاعدة اليقين ، وهي من حيث إنها
واردة في مورد مخصوص وغير مقترنة بما يمنع عن عمومها لأي متيقن كان ، فلا مانع
من الاخذ بها في إثبات المدعى بنحو العموم ، وحينئذ فيجعل سائر الأخبار مؤيدا
لها كما إنه يجعل التعليل في البعض معاضدا لها ، وكيف كان فالمهم هنا هو التعرض
للتفصيل بين الشك في المقتضى وبين ما في الرافع وبين الأحكام الوضعية والتكليفية ،
فإن تفصيل الأخباريين يبقى بلا وجه بعد ما عرفت من العموم ولو في بعض الأخبار
وكذا تفصيل الشيخ - ره - لا ثمرة فيه بناء على كون نظر العرف متبعا في تشخيص
الموضوع ووحدته على ما تقدم مفصلا ، والتكلم في التفصيل الأول مسبوق ببيان
شأن المقتضى للأمور الحقيقية الخارجية وللأحكام والأمور المجعولة في الشرع ، وقبل
الشرع ، ولا بأس بتمهيد مقدمة وهي إن المقتضى في الأمور الخارجية ، تارة يكون
مقتضيا لنفس الحدوث فقط ولا يكون له دخل في البقاء ، بل البقاء يكون مستندا
إلى أمر آخر كالاستعدادات الذاتية وغيرها ، مثل وضع الحجر على الأرض ومثل
البناء والبناء ، فإن كلا منهما ولو كان علة محدثة للمجعول ولكن العلة المبقية هو الاستعداد
الذاتي ، فليست العلة لهما إلا باعتبار إعطاء الوجود فقط ولا تأثير لهما في الابقاء .
وأخرى تكون مؤثرة فيه حدوثا وبقاء ويدور المعلول مدارها وجودا وعدما ،
كالشمس والفيئ فإنه إذا زال الشمس يزول الفيئ أيضا ، هذا بالنسبة إلى الأمور
الخارجية ، وأما في الشرعيات من الاحكام الجعلية التكليفية والوضعية ، فتارة يكون
المقتضى للجعل والتشريع وهو المصلحة الداعية إليه نفس الجعل دون المجعول ، ولعل
الامر كذلك في الأحكام الوضعية ، فجعل الزوجية عقيب العقد وجعل الملكية عقيب
الحيازة بقوله من حاز ملك ، مستند إلى مصلحة في نفس الجعل والأسباب التي كانت
تنقيح الأصول ، خلاصة ما استفاده من أبحاث الشيخ ضياء الدين العراقي — صفحة 216
مساهمون: السيد محمد رضا الطباطبائي
ص٢١٦