يكون مما أمر وضعه ورفعه بيد الشارع ، ولا ريب في إن عدم الحكم مما تناله يد
الابقاء والرفع ، فللمولى أن لا يجعل حكما إلى الأبد فيستمر عدمه وله جعله فينقطع
استمرار عدمه ، وفي إن الأثر والعمل المترتب على ما ينزل منزلة المعلوم المتحقق
لا اختصاص له بالتحريك والانبعاث بل قد يكون ذلك ، وقد لا يكون كما في
النواهي المقتضية لترك المنهي عنه وعدم التحرك إليه ، فالعمل المترتب على المنزل إما
وجودي أو عدمي ، وهو بكلا قسميه أثر لما تناله يد الوضع والرفع ، فإن أبقى عدم الحكم
على حاله فالعمل على طبقه هو السكون وترك العمل ، وإلا فالعمل المترتب على الحكم
هو التحرك لو كان من الأوامر ، فهذه الشبهة لا تجدي في استصحاب عدم الاحكام
وعدم موضوعاتها ، إذا لم يترتب عليه بنفسه الأثر ، وهناك توهم آخر في التفصيل
بين استصحاب العدميات ، ومحصله إن العدم الذي يراد استصحابه فهو إما عدم المجعول
الذي قد علم بجعله مشروطا بشرط لم يكن متحققا ، ثم شك فيه كوجوب الحج والصلاة
المشروط بالاستطاعة والوقت الغير الحاصلين عند الايجاب ، وأما عدم الجعل للحكم ، فإن
كان من الأول فلا بأس به لأنه أمر صالح للوضع والرفع ويترتب على التعبد على
بقائه أثر عملي ، وأما الثاني فهو بنفسه لا يكون أثرا وقابلا للرفع والوضع تشريعا
ولا موضوعا للأثر ، نعم لما كان الجعل سببا للأثر وهو الحكم المجعول فيكون عدمه
ملزوما لعدمه ، فلو أريد إثبات عدم الحكم باستصحاب عدم الجعل فليزم القول بالأصل
المثبت ، وحيث لا دلالة في لا تنقض على تنزيل الأثر بالواسطة للمعلوم ، فلا وجه
لاستصحاب هذا العدم المستلزم لعدم الحكم ، ولا يخفى إن نسبة الجعل إلى الانشاء
نسبة المنتزع إلى منشأ انتزاعه ، لا نسبة المعلول إلى علته ، فإنه لا علية للانشاء للمنشأ به ،
سواء كان إنشاء الحكم أو الملك ، وإلا فليزم أن لا يمكن انفكاكهما عنه ، مع إنه ربما
ينشأ فعلا وجوب الشئ عند حصول شرائطه وملكية المنفعة النسبة القابلة ، بل
لا يتحقق المنشأ بالأمور التدريجية كالعقود والايقاعات ، فإن حروف العقد لا تجتمع
في الوجود ، فلا توجد القلة بتمامها في آن حتى يوجد المعلول بها ، إلا أن يدعي إن الجزء
الأخير هو العلة ، وهذا كما ترى فالانشاء ليس علة للجعل والمجعول المتحدين ذاتا
المتغائرين اعتبارا ، كالايجاد والوجود بل هو أمر يعتبرون العقلاء حصول الحكم
تنقيح الأصول ، خلاصة ما استفاده من أبحاث الشيخ ضياء الدين العراقي — صفحة 189
مساهمون: السيد محمد رضا الطباطبائي
ص١٨٩