واختلطوا ، كثر المؤمنين في أعينهم فرأوهم مثليهم رأى العين فأوهن بذلك عزمهم وأطار
قلوبهم فكانت الهزيمة فاية الأنفال تشير إلى أول الوقعة ، وآية آل عمران إلى ما بعد
الزحف والاختلاط وقوله : ( ليقضى الله أمرا كان مفعولا ) متعلق بقوله : ( يريكموهم ) تعليل لمضمونه .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا
لعلكم تفلحون ) إلى آخر الآيات الثلاث . قال الراغب في المفردات : الثبات - بفتح
الثاء - ضد الزوال انتهى فهو في المورد ضد الفرار من العدو ، وهو بحسب ما له من
المعنى أعم من الصبر الذي يأمر به في قوله : ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) فالصبر
ثبات قبال المكروه بالقلب بأن لا يضعف ولا يفزع ولا يجزع ، وبالبدن بأن لا يتكاسل
ولا يتساهل ولا يزول عن مكانه ولا يعجل فيما لا يحمد فيه العجل فالصبر ثبات خاص .
والريح على ما قيل ، العز والدولة ، وقد ذكر الراغب ان الريح في الآية بمعنى
الغلبة استعارة كأن من شان الريح ان تحرك ما هبت عليه وتقلعه وتذهب به ، والغلبة
على العدو يفعل به ما تفعله الريح بالشئ كالتراب فاستعيرت لها .
وقال الراغب : البطر دهش يعترى الانسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام
بحقها وصرفها إلى غير وجهها قال عز وجل : ( بطرا ورئاء الناس ) وقال : ( بطرت
معيشتها ) وأصله : بطرت معيشته فصرف عنه الفعل ونصب ، ويقارب البطر الطرب ،
وهو خفة أكثر ما يعترى من الفرح وقد يقال ذلك في الترح ، والبيطرة معالجة الدابة .
انتهى . والرئاء المراءاة .
وقوله : ( فاثبتوا ) أمر بمطلق الثبوت امام العدو ، وعدم الفرار منه فلا
يتكرر بالامر ثانيا بالصبر كما تقدمت الإشارة إليه .
وقوله : ( واذكروا الله كثيرا ) أي في جنانكم ولسانكم فكل ذلك ذكر ،
ومن المعلوم أن الأحوال القلبية الباطنة من الانسان هي التي تميز مقاصده وتشخصها
سواء وافقها اللفظ كالفقير المستغيث بالله من فقره وهو يقول : يا غنى والمريض المستغيث
به من مرضه وهو يقول : يا شافي ولو قال الفقير في ذلك : يا الله أو قال المريض
فيه ذلك لكان معناه : يا غنى ويا شافي لأنهما بمقتضى الحال الباعث لهما على الاستغاثة
تفسير الميزان — صفحة 94
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٩٤