ورابعا : أن صدر الآية يذكر أنهم يحذرون أن تنزل سورة وذيلها يقول : إن
الله مخرج ما تحذرون فهو في معنى أن يقال : إن الله مخرج سورة أو مخرج تنزيل سورة .
وقد يجاب عن الاشكال الأول بأن قوله : يحذر المنافقون ( الخ ) إنشاء في صورة
خبر أي ليحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ( الخ ) .
وهو ضعيف إذ لا دليل عليه أصلا على أن ذيل الآية لا يلائم ذلك إذ لا معنى
لقولنا : ليحذر المنافقون كذا قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون أي ما يجب
عليكم حذره . وهو ظاهر .
وقد يجاب عنه بأنهم إنما كانوا يظهرون الحذر استهزاء لا جدا وحقيقة . وفيه
أن لازمه أنهم كانوا على ثقة بأن ما في قلوبهم من الانباء وما أبطنوه من الكفر
والفسوق لا سبيل للظهور والانجلاء إليه ، ولا طريق لاحد إلى الاطلاع عليه ،
ويكذبه آيات كثيرة في القرآن الكريم تقص ما عقدوا عليه القلوب من الكفر
والفسوق وهموا به من الخدعة والمكيدة كالآيات من سورة البقرة وسورة المنافقين
وغيرهما ، وإذ كانوا شاهدوا ظهور أنبائهم ومطويات قلوبهم عيانا مرة بعد مرة فلا
معنى لثقتهم بأنها لا تنكشف أصلا وإظهارهم الحذر استهزاء لا جدا ، وقد قال
تعالى : ( يحسبون كل صيحه عليهم ) المنافقون : 4 .
وقد يجاب عنه بأن أكثر المنافقين كانوا على شك من صدق الدعوة النبوية من
غير أن يستيقنوا كذبه ، وهؤلاء كانوا يجوزون تنزيل سورة تنبؤهم بما في قلوبهم
احتمالا عقليا ، وهذا الحذر والاشفاق كما ذكروه إثر طبيعي للشك والارتياب فلو
كانوا موقنين بكذب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما خطر لهم هذا الخوف على بال ، ولو كانوا
موقنين بصدقه لما كان هناك محل لهذا الخوف والحذر لا قلوبهم مطمئنة بالايمان .
وهذا الجواب - وهو الذي اعتمد عليه جمهور المفسرين - وإن كان بظاهره
لا يخلو عن وجه غير أن فيه أنه إنما يحسم مادة الاشكال لو كان الواقع من التعبير
في الآية نحوا من قولنا : يخاف المنافقون إن تنزل عليهم سورة ، ولذا قرروا الجواب
بأن الخوف يناسب الشك دون اليقين .
لكن الآية تعبر عن شأنهم بالحذر ، ويخبر أنهم يحذرون أن تنزل عليهم سورة
تفسير الميزان — صفحة 328
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٢٨