حينما كانوا يعبدون الأوثان غير أنهم ربما كانوا يحولون الحرمة من شهر إلى شهر سنة
أو أزيد منها بالنسئ الذي تتعرض له الآية التالية .
وقوله : ( ذلك الدين القيم ) ، الإشارة إلى حرمة الأربعة المذكورة ، والدين كما
تطلق على مجموع ما أنزله الله على أنبيائه تطلق على بعضها فالمعنى ان تحريم الأربعة
من الشهور القمرية هو الدين الذي يقوم بمصالح العباد . كما يشير إليه في قوله : ( جعل
الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ) الآية المائدة : 97 وقد تقدم
الكلام فيه في الجزء السادس من الكتاب .
وقوله : ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) الضمير إلى الأربعة إذ لو كان راجعا إلى
( اثنا عشر ) المذكور سابقا لكان الظاهر أن يقال ( فيها ) كما نقل عن الفراء ، وأيضا
لو كان راجعا إلى ( اثنا عشر ) وهى تمام السنة لكان قوله : ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم )
كما قيل في معنى قولنا : فلا تظلموا أبدا أنفسكم ، وكان الكلام متفرعا على كون عدة
الشهور عند الله اثنى عشر شهرا ، ولا تفرع له عليه ظاهرا فالمعنى لما كانت هذه
الأربعة حرما تفرع على حرمتها عند الله أن تكفوا فيها عن ظلم أنفسكم رعاية لحرمتها
وعظم منزلتها عند الله سبحانه .
فالنهي عن الظلم فيها يدل على عظم الحرمة وتأكدها لتفرعها على حرمتها أولا
ولأنها نهى خاص بعد النهى العام كما يفيده قولنا : لا تظلم أبدا ولا تظلم في زمان كذا .
والجملة أعني قوله : ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) وإن كانت بحسب إطلاق لفظها
نهيا عن كل ظلم ومعصية لكن السياق يدل على كون المقصود الأهم منها النهى عن
القتال في الأشهر الحرم .
قوله تعالى : ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين )
قال الراغب في المفردات : الكف كف الانسان وهى ما بها يقبض ويبسط ، وكففته
أصبت كفه ، وكففته أصبته بالكف ودفعته بها ، وتعورف الكف بالدفع على أي
وجه كان ، بالكف كان أو غيرها حتى قيل : رجل مكفوف لمن قبض بصره .
وقوله : وما أرسلناك إلا كافة للناس أي كافا لهم عن المعاصي ، والهاء فيه
للمبالغة كقولهم : راوية وعلامة ونسابة ، وقوله : ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم
تفسير الميزان — صفحة 269
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٦٩