قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم )
الأحبار جمع حبر بفتح الحاء وكسرها وهو العالم وغلب استعماله في علماء اليهود والرهبان
جمع راهب وهو المتلبس بلباس الخشية وغلب على المتنسكين من النصارى .
واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله هو إصغاؤهم لهم وإطاعتهم من
غير قيد وشرط ولا يطاع كذلك الا الله سبحانه .
وأما اتخاذهم المسيح بن مريم ربا من دون الله فهو القول بألوهيته بنحو كما هو
المعروف من مذاهب النصارى ، وفي إضافة المسيح إلى مريم إشارة إلى عدم كونهم
محقين في هذا الاتخاذ لكونه إنسانا ابن مرأة .
ولكون الاتخاذين مختلفين من حيث المعنى فصل بينهما فذكر اتخاذهم الأحبار
والرهبان أربابا من دون الله أولا ، ثم عطف عليه قوله : ( والمسيح بن مريم ) .
والكلام كما يدل على اختلاف الربوبيتين كذلك لا يخلو عن دلالة على أن قولهم
ببنوة عزير وبنوة المسيح على معنيين مختلفين ، وهو البنوة التشريفية في عزير والبنوة
بنوع من الحقيقة في المسيح عليه السلام فإن الآية أهملت ذكر اتخاذهم عزيرا ربا من دون
الله ، ولم يذكر مكانه إلا اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله .
فهو رب عندهم بهذا المعنى إما لاستلزام التشريف بالبنوة ذلك أو لأنه من
أحبارهم وقد أحسن إليهم في تجديد مذهبهم ما لا يقاس به إحسان غيره ، وأما المسيح
فبنوته غير هذه البنوة .
وقوله : ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ) جملة حالية أي
اتخذوا لهم أربابا والحال هذه .
وفي الكلام دلالة أولا : على أن الاتخاذ بالربوبية بواسطة الطاعة كالاتخاذ بها
بواسطة العبادة فالطاعة إذا كانت بالاستقلال كانت عبادة ، ولازم ذلك أن الرب الذي
هو المطاع من غير قيد وشرط وعلى نحو الاستقلال إله ، فإن الاله هو المعبود الذي
من حقه أن يعبد ، يدل على ذلك كله قوله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الها واحدا )
حيث بدل الرب بالإله ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال وما أمروا إلا ليتخذوا ربا
واحدا فالاتخاذ للربوبية بواسطة الطاعة المطلقة عبادة ، واتخاذ الرب معبودا اتخاذ
تفسير الميزان — صفحة 245
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٤٥