فكل ذلك من الشهادة والملاك واحد .
فمعنى الآية : لا يحق ولا يجوز للمشركين أن يرموا ما استرم من المسجد الحرام
كسائر مساجد الله والحال أنهم معترفون بالكفر بدلالة قولهم أو فعلهم .
قوله تعالى : ( أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ) في مقام التعليل
لما أفيد من الحكم في قوله : ( ما كان ) الخ ولذلك جئ به بالفصل دون الوصل .
والمراد بالجملة الأولى بيان بطلان الأثر وارتفاعه عن أعمالهم ، والعمل إنما يؤتى
به للتوسل به إلى أثر مطلوب ، وإذ كانت أعمالهم حابطة لا أثر لها لم يكن ما يجوز
لهم الاتيان بها ، والأعمال العبادية كعمارة مساجد الله إنما تقصد لما يطمع فيه ويرجى
من أثرها وهو السعادة والجنة ، والعمل الحابط لا يتعقب سعادة ولا جنة البتة .
والمراد بالجملة الثانية بيان ظرفهم الذي يستقرون فيه لولا السعادة والجنة وهو
النار فكأنه قيل : أولئك لا يهديهم أعمالهم العبادية إلى الجنة بل هم في النار الخالدة ،
ولا تفيد لهم سعادة بل هم في الشقاوة المؤبدة .
وفي الآية دلالة على أصلين لطيفين من أصول التشريع :
أحدهما : أن تشريع الجواز بالمعنى الأعم الشامل للواجبات والمستحبات والمباحات
يتوقف على أثر في الفعل ينتفع به فاعله فلا لغو مشروعا في الدين ، وهذا أصل يؤيده
العقل ، وهو منطبق على الناموس الجاري في الكون : أن لا فعل إلا لنفع عائد إلى فاعله .
وثانيهما : ان الجواز في جميع موارده مسبوق بحق مجعول من الله لفاعله في أن
يأتي بالفعل من غير مانع .
قوله تعالى : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) الآية السياق
كاشف عن أن الحصر من قبيل قصر الافراد كأن متوهما يتوهم أن للمشركين والمؤمنين
جميعا أن يعمروا مساجد الله فأفرد وقصر ذلك في المؤمنين ، ولازم ذلك أن يكون
المراد بقوله : ( يعمر ) إنشاء الحق والجواز في صورة الاخبار دون الاخبار ، وهو ظاهر .
وقد اشترط سبحانه في ثبوت حق العمارة وجوازها أن يتصف العامر بالايمان
بالله واليوم الآخر قبال ما نفى عن المشركين ان يكون لهم ذلك ولم يقنع بالايمان بالله
تفسير الميزان — صفحة 201
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٠١