الهداية على وجوه الناس ، والتحفظ على حرية الناس في حياتهم وأعمالهم الحيوية ،
والاغماض في طريقة عن كل حكم حتمي وعزيمة قاطعة ليهلك من هلك عن بينة
ويحيى من حي عن بينة ، ولا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .
وثامنا : أن الآية - كما قيل - تدل على أن الاعتقاد بأصل الدين يجب ان
يكون عن علم يقيني لا يداخله شك ولا يمازجه ريب ولا يكفي فيه غيره ولو كان
الظن الراجح ، وقد ذم الله تعالى اتباع الظن ، وندب إلى اتباع العلم في آيات كثيرة
كقوله تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) أسرى : 36 وقوله : ( إن يتبعون
إلا الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا ) النجم : 28 وقوله : ( ما لهم بذلك من
علم إن هم إلا يخرصون ) الزخرف : 20 .
ولو كفى في أصل الدين الاعتقاد التقليدي لم يستقم الحكم بإجارة من استجار
لتفهم أصول الدين ومعارفة لجواز ان يكلف بالتقليد والكف عن البحث عن انه حق
أو باطل هذا .
ولكن المقدار الواجب في ذلك أن يكون عن علم قطعي سواء كان حاصلا عن
الاستدلال بطرق فنية أو بغير ذلك من الوجوه المفيدة للعلم ولو على سبيل الاتفاق ،
وهذا غير القول بان الاستدلال على أصول المعارف لا يصح إلا من طريق العقل فان
صحة الاستدلال أمر ، وجواز الاعتماد على العلم باي طريق حصل أمر آخر .
قوله تعالى : ( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ) الآية ، تبيين
وتوضيح لما مر إجمالا من الحكم بنقض عهد المشركين ممن لا وثوق بوفائه بعهده ،
وقتلهم إلى أن يؤمنوا بالله ويخضعوا لدين التوحيد ، واستثناء من لم ينقض العهد وبقى
على الميثاق حتى ينقضى مدة عهدهم .
فالآية وما يتلوها إلى تمام ست آيات تبين ذلك وتوضح الحكم واستثناء ما
استثنى منه والغاية والمغيى جميعا .
فقوله : ( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ) استفهام في مقام
الانكار ، وقد بادرت الآية إلى استثناء الذين عاهدوهم من المشركين عند المسجد الحرام
لكونهم لم ينقضوا عهدا ولم يساهلوا فيما واثقوا به بدليل قوله تعالى : ( فما استقاموا
تفسير الميزان — صفحة 156
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٥٦