وسيجئ في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى .
وعلى أي حال ينبغي إمعان النظر في البحث عما تفيده هذه الآية من حضور
جمع من المنافقين والذين في قلوبهم مرض يوم بدر عند القتال ، واستخراج حقيقة السبب
الذي أوجب لهؤلاء المنافقين والضعفاء حضور هذه الغزوة ، والوقوف في ذلك الموقف
الصعب الهائل الذي لا يساعد عليه الأسباب العادية ولا يقف فيه إلا رجال الحقيقة
الذين امتحن الله قلوبهم للايمان . وأنهم لماذا حضروها ؟ وكيف ولماذا صبروا مع
الصابرين من فئة الاسلام ؟ ولعلنا نوفق لبعض البحث في ذلك فيما سيوافي من آيات
سورة التوبة في شأن المنافقين والذين في قلوبهم مرض إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ) إلى تمام الآيتين .
التوفي اخذ الحق بتمامه ، ويستعمل في كلامه تعالى كثيرا بمعنى قبض الروح ، ونسبة
قبض أرواحهم إلى الملائكة مع ما في بعض الآيات من نسبته إلى ملك الموت ، وفي
بعض آخر إلى الله سبحانه كقوله : ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) ألم
السجدة : 11 ، وقوله : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) الزمر : 42 دليل على أن
لملك الموت أعوانا يتولون قبض الأرواح هم بمنزلة الأيدي العمالة له يصدرون عن إذنه
ويعملون عن امره ، كما أنه يصدر عن إذن من الله ويعمل عن أمر منه ، وبذلك يصح
نسبة التوفي إلى الملائكة الأعوان ، وإلى ملك الموت ، وإلى الله سبحانه .
وقوله : ( يضربون وجوههم وأدبارهم ) ظاهره انهم يضربون مقاديم أبدانهم
وخلاف ذلك فيكنى به عن إحاطتهم واستيعاب جهاتهم بالضرب ، وقيل : إن
الادبار كناية عن الاستاه فبالمناسبة يكون المراد بوجوههم مقدم رؤوسهم ، وضرب
الوجوه والادبار بهذا المعنى يراد به الازراء والاذلال .
وقوله : ( وذوقوا عذاب الحريق ) أي يقول لهم الملائكة : ذوقوا عذاب
الحريق وهو النار .
وقوله : ( ذلك بما قدمت أيديكم ) تتمة لقولهم المحكى أو إشارة إلى مجموع
ما يفعل بهم وما يقول لهم الملائكة ، والمعنى إنما نذيقكم عذاب الحريق بما قدمت
أيديكم أو : نضرب وجوهكم وأدباركم ونذيقكم عذاب الحريق بما قدمت أيديكم .
تفسير الميزان — صفحة 100
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٠٠