وينسون ما اتخذوه من الأولياء والأنداد ، وأما تلك الأمم فلم تلن الشدائد قلوبهم ، ولم
تصلح ما أفسد الشيطان من فطرتهم ، انتهى .
ولازم ما ذكره أن لا يكون التوحيد فطريا يظهر عند ارتفاع الأوهام الشاغلة
والانقطاع عن الأسباب الظاهرة أو أن يمكن إبطال حكم الفطرة من أصله ، وقد قال
تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله )
( الروم : 30 ) فأفاد أن دين التوحيد فطرى ، وأن الفطرة لا تقبل التغيير بمغير وأيد
ذلك بآيات أخر ناصة على أن الانسان عند انقطاعه عن الأسباب يتوجه إلى ربه بالدعاء
مخلصا له الدين لا محالة .
على أن الاقرار بالإله الواحد عند الشدة والانقطاع مما نجده من أنفسنا وجدانا
ضروريا ولا يختلف في ذلك الانسان الأولى وإنسان اليوم البتة .
قوله تعالى : ( فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ) الخ ، ( لولا )
للتحضيض أو للنفي ، وعلى أي حال تفيد في المقام فائدة النفي بدليل قوله : ( ولكن
قست قلوبهم ) وقسوة القلب مقابل لينه ، وهو كون الانسان لا يتأثر عن مشاهدة ما
يؤثر فيه عادة أو عن استماع كلام شأنه التأثير .
والمعنى : فلم يتضرعوا حين مجئ البأس ولم يرجعوا إلى ربهم بالتذلل بل أبت
نفوسهم أن تتأثر عنه ، وتلهوا بأعمالهم الشيطانية الصارفة لهم عن ذكر الله سبحانه
وأخلدوا إلى الأسباب الظاهرة التي كانوا يرون استقلالها في إصلاح شأنهم .
قوله تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ ) الخ ، المراد
بفتح أبواب كل شئ إيتاؤهم من كل نعمة من النعم الدنيوية التي يتنافس فيها الناس لتمتع
من مزايا الحياة من المال والبنين وصحة الأبدان والرفاهية والخصب والامن والطول
والقوة ، كل ذلك توفيرا من غير تقتير ومنع كما أن خزانه المال إذا أعطى منها أحد
بقدر وميزان فتح بابها فأعطى ما أريد ثم سد ، وأما إذا أريد الاعطاء من غير تقدير فتح
بابها ولم يسد على وجه قاصده بالجملة كناية عن إيتائهم أنواع النعم من غير تقدير على
ما يساعده المقام .
تفسير الميزان — صفحة 91
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٩١