كالخلق والرزق والاحياء والإماتة المتوقفة على وجود مخلوق ومرزوق وحى وميت .
والأشياء لما كانت بأنفسها وأعيانها مملوكة محاطة له تعالى فهي إن
كانت أصواتا
سمع ومسموعة له تعالى ، وإن كانت أنوار ألوانا بصر ومبصرة له تعالى ، والجميع كائنة
ما كانت علم ومعلومة له تعالى ، وهذا النوع من العلم من صفاته الفعلية التي تتحقق عند
تحقق الفعل منه تعالى لا قبل ذلك ، ولا يلزم من ثبوتها بعد ما لم تكن تغير في ذاته تعالى
وتقدس لأنها لا تعدو مقام الفعل ، ولا يدخل في عالم الذات فالآية في استنتاجها العلم من
الملك تريد إثبات العلم الفعلي ، فافهم ذلك .
والآية أعني قوله : ( وله ما سكن في الليل والنهار ) الخ ، كإحدى مقدمات الحجة
المبينة بالآية السابقة فإن الحجة على المعاد وإن تمت بقوله : ( قل لمن ما في السماوات
والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ) لكن النظر الابتدائي الساذج ربما غفل عن
كون ملكه تعالى للأشياء مستلزما لعلمه بها وسمعه بما يسمع منها كالأصوات والأقوال .
ولذلك نبه عليه بتكرار ملك السماوات والأرض ، وتفريع السمع والعلم عليه
فقال : ( وله ما سكن في الليل والنهار - وهو في معنى قوله : ( له ما في السماوات
والأرض - وهو السميع العليم ) فكانت هذه الآية لذلك بمنزلة مقدمة متممة للحجة
المسرودة في الآية السابقة .
والآية - على أنا لم نستوف حقها ولن يستوفى - من أرق الآيات القرآنية معنى
وأدقها إشارة وحجة ، وأبلغها منطقا .
قوله تعالى : ( قل أغير الله أخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ) ولا يطعم شروع في الاحتجاج على وحدانيته تعالى وأن لا شريك له .
والذي يتحصل من تاريخ الوثنية واتخاذ الأصنام والآلهة أنهم كانوا إنما دانوا بذلك
وخضعوا للآلهة لاحد أمرين : إما أنهم وجدوا أنفسهم في حاجة إلى أسباب كثيرة في
إبقاء الحياة كالتغذي بالطعام واللباس والمسكن والأزواج والأولاد والعشيرة ونحو ذلك ،
وعمدتها الطعام الذي حاجة الانسان إليه أشد من حاجته إلى غيره بحسب النظر الساذج ،
وقد اعتقدوا أن لكل صنف من أصناف هذه الحوائج تعلقا بسبب هو الذي يجود لهم
بالتمتع من وسيلة رفع تلك الحاجة كالسبب الذي يمطر السماء فينبت المرعى والكلاء
تفسير الميزان — صفحة 30
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٠