تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
بالذين يؤمنون بذلك . وعلى هذا المعنى فقوله : ثم " يتولون من بعد ذلك " أي عن حكم الواقعة مع كون التوراة عندهم وفيها حكم الله ، وقوله وما أولئك بالمؤمنين " أي بالذين يؤمنون بالتوراة وحكمها فهم تحولوا من الايمان بها وبحكمها إلى الكفر . ويمكن أن يفهم من قوله : " ثم يتولون " التولي عما حكم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن قوله : " وما أولئك بالمؤمنين " نفى الايمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما كان يظهر من رجوعهم إليه وتحكيمهم إياه ، أو نفى الايمان بالتوراة وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم جميعا ، لكن ما تقدم من المعنى أنسب لسياق الآيات . وفي الآية تصديق ما للتوراة التي عند اليهود اليوم ، وهى التي جمعها لهم عزراء بإذن " كورش " ملك إيران بعد ما فتح بابل ، وأطلق بني إسرائيل من أسر البابليين وأذن لهم في الرجوع إلى فلسطين وتعمير الهيكل ، وهى التي كانت بيدهم في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهى التي بيدهم اليوم ، فالقرآن يصدق أن فيها حكم الله ، وهو أيضا يذكر أن فيها تحريفا وتغييرا . ويستنتج من الجميع : أن التوراة الموجودة الدائرة بينهم اليوم فيها شئ من التوراة الأصلية النازلة على موسى عليه السلام وأمور حرفت وغيرت اما بزيادة أو نقصان أو تغيير لفظ أو محل أو غير ذلك ، وهذا هو الذي يراه القرآن في أمر التوراة ، والبحث الوافي عنها أيضا يهدى إلى ذلك . قوله تعالى : " انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون " ( الخ ) بمنزلة التعليل لما ذكر في الآية السابقة ، وهى وما بعدها من الآيات تبين أن الله سبحانه شرع لهذه الأمم على اختلاف عهودهم شرائع ، وأودعها في كتب أنزلها إليهم ليهتدوا بها ويتبصروا بسببها ، ويرجعوا إليها فيما اختلفوا فيه ، وامر الأنبياء والعلماء منهم ان يحكموا بها ، ويتحفظوا عليها ويقوها من التغيير والتحريف ، ولا يطلبوا في الحكم ثمنا ليس الا قليلا ، ولا يخافوا فيها الا الله سبحانه ولا يخشوا غيره . وأكد ذلك عليهم وحذرهم اتباع الهوى ، وتفتين أبناء الدنيا ، وإنما شرع من الاحكام مختلفا باختلاف الأمم والأزمان ليتم الامتحان الإلهي فإن استعداد الأزمان مختلف بمرور