تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
وبينه وبين مخلوقه أسباب هي الأسباب بحسب الظاهر وهى أدوات وآلات لوجود الشئ ، وإن شئت فقل : هي من شرائط وجود الشئ الذي تعلق وجوده من جميع جهاته وأطرافه بالأسباب ، فمن شرائط وجود زيد " الذي ولده عمرو وهند " أن يتقدمه عمرو وهند وازدواج وتناكح بينهما ، وإلا لم يوجد زيد المفروض ، ومن شرائط " الابصار بالعين الباصرة " أن تكون قبله عين باصرة ، وهكذا . فمن زعم أنه يوحد الله سبحانه بنفي الأسباب وإلغائها ، وقدر أن ذلك أبلغ في إثبات قدرته المطلقة ونفى العجز عنه ، وزعم أن إثبات ضرورة تخلل الأسباب قول بكونه تعالى مجبرا على سلوك سبيل خاص في الايجاد فاقدا للاختيار فقد ناقض نفسه من حيث لا يشعر . وبالجملة فالله سبحانه هو الذي علم الانسان خواص الأشياء التي تنالها حواسه نوعا من النيل ، علمه إياها من طريق الحواس ، ثم سخر له ما في الأرض والسماء جميعا ، قال تعالى : " وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه " ( الجاثية : 13 ) . وليس هذا التسخير إلا لان يتوسل بنوع من التصرف فيها إلى بلوغ أغراضه وأمانيه في الحياة أي إنه جعلها مرتبطة بوجوده لينتفع بها ، وجعله متفكرا يهتدى إلى كيفية التصرف والاستعمال والتوسل ، ومن الدليل على ذلك قوله تعالى : " ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجرى في البحر بأمره " ( الحج : 65 ) ، وقوله تعالى : " وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون " ( الزخرف : 12 ) ، وقوله تعالى : " عليها وعلى الفلك تحملون " ( غافر : 80 ) وغير ذلك من الآيات المشابهة لها فانظر إلى لسان الآيات كيف نسبت جعل الفلك إلى الله سبحانه وهو من صنع الانسان ، ثم نسب الحمل إليه تعالى وهو من صنع الفلك والانعام ونسب جريانها في البحر إلى إمره وهو مستند إلى جريان البحر أو هبوب الريح أو البخار ونحوه ، وسمى ذلك كله تسخيرا منه للانسان لما أن لإرادته نوع حكومة في الفلك وما يناظرها من الانعام وفى الأرض والسماء تسوقها إلى الغايات المطلوبة له . وبالجملة هو سبحانه أعطاه الفكر على الحس ليتوسل به إلى كماله المقدر له بسبب علومه الفكرية الجارية في التكوينيات أعني العلوم النظرية . قال تعالى : " وجعل لكم " السمع والابصار والأفئدة لعلكم تشكرون " ( النحل :
تفسير الميزان — صفحة 310 | السيد محمدحسين الطباطبائي