تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
على أن أصل القصة على النحو الذي ذكره لا مأخذ له رواية ولا تاريخا . فتبين ان قوله : " نبأ ابني آدم بالحق " يراد به قصة ابني آدم أبى البشر ، وتقييد الكلام بقوله : " بالحق " - وهو متعلق بالنبأ أو بقوله " واتل " لا يخلو عن اشعار أو دلالة على أن المعروف الدائر بينهم من النبأ لا يخلو من تحريف وسقط ، وهو كذلك فإن القصة موجودة في الفصل الرابع من سفر التكوين من التوراة ، وليس فيها خبر بعث الغراب وبحثه في الأرض ، والقصة مع ذلك صريحة في تجسم الرب تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وقوله : " إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الاخر " ظاهر السياق أن كل واحد منهما قدم إلى الرب تعالى شيئا يتقرب به " وإنما لم يثن لفظ القربان لكونه في الأصل مصدرا لا يثنى ولا يجمع . وقوله : " قال لأقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين " القائل الأول هو القاتل والثاني هو المقتول ، وسياق الكلام يدل على أنهما علما تقبل قربان أحدهما وعدم تقبله من الاخر ، وأما أنهما من أين علما ذلك ؟ أو بأي طريق استدلوا عليه ؟ فالآية ساكتة عن ذلك . غير أنه ذكر في موضع من كلامه تعالى : انه كان من المعهود عند الأمم السابقة أو عند بني إسرائيل خاصة تقبل القربان المتقرب به بأكل النار إياه قال تعالى : " الذين قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقين " ( آل عمران : 183 ) والقربان معروف عند أهل الكتاب إلى هذا اليوم ( 1 ) فمن الممكن أن يكون التقبل للقربان في هذه القصة أيضا على ذلك النحو ، وخاصة بالنظر إلى القاء القصة إلى أهل الكتاب المعتقدين لذلك ، وكيف كان فالقاتل والمقتول جميعا كانا يعلمان قبوله من أحدهما ورده من الاخر . ثم السياق يدل أيضا على أن القائل " لأقتلنك " هو الذي لم يتقبل قربانه ، وأنه
هامش
( 1 ) القربان عند اليهود أنواع كذبائح الحيوان بالتضحية ، وتقدمة الدقيق والزيت واللبان وباكورة الثمار ، وعند النصارى ما يقدمونه من الخبز والخمر فيتبدل إلى لحم المسيح ودمه حقيقة في زعمهم .