لمصالح حياتهم كما يبينه بأوفى البيان قوله تعالى : " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله
التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم " الروم : 30 .
وبهذه الآية يكمل بيان عموم رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشمول الدعوة الاسلامية لعامة البشر
فقوله : " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين " الخ يشير إلى أنه كان من
الواجب في سنة الهداية الإلهية أن تتم الحجة على من كفر بالدعوة من أهل الكتاب
والمشركين ، وهؤلاء وإن كانوا بعض أهل الكتاب والمشركين لكن من الضروري أن
لا فرق بين البعض والبعض في تعلق الدعوة فتعلقها بالبعض لا ينفك عن تعلقها بالكل .
وقوله : " رسول من الله " الخ يشير إلى أن تلك البينة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقوله " وما
تفرق " الخ يشير إلى أن تفرقهم وكفرهم السابق بالحق أيضا كان بعد مجئ البينة .
وقوله : " وما أمروا إلا ليعبدوا الله " الخ يفيد أن الذي دعوا إليه وأمروا به دين
قيم حافظ لمصالح المجتمع البشري فعليهم جميعا أن يؤمنوا به ولا يكفروا .
قوله تعالى : " أن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها
أولئك هم شر البرية " لما فرغ من الإشارة إلى كفرهم بالبينة التي كانت توجبها سنة الهداية
الإلهية وما كانت تدعوا إليه من الدين القيم أخذت في الانذار والتبشير بوعيد الكفار ووعد
المؤمنين ، والبرية الخلق ، والمعنى ظاهر .
قوله تعالى : " إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " فيه قصر
الخيرية في المؤمنين الصالحين كما أن في الآية السابقة قصر الشرية في الكفار .
قوله تعالى : " جزاؤهم عند ربهم - إلى قوله - ذلك لم خشي ربه " العدن الاستقرار
والثبات فجنات عدن جنات خلود ودوام وتوصيفها بقوله : " خالدين فيها أبدا "
تأكيد بما يدل عليه الاسم .
وقوله : " رضي الله عنهم " الرضى منه تعالى صفة فعل ومصداقه الثواب الذي
أعطاهموه جزاء لايمانهم وعلمهم الصالح .
وقوله : " ذلك لمن خشي ربه " علامة مضروبة لسعادة الدار الآخرة وقد قال تعالى :
" إنما يخشى الله من عباده العلماء " فاطر : 28 فالعلم بالله يستتبع الخشية منه ، والخشية منه
تستتبع الايمان به بمعنى الالتزام القلبي بربوبيته وألوهيته ثم العمل الصالح .
واعلم أن لهم في تفسير مفردات هذه الآيات اختلافا شديدا وأقوالا كثيرة لا جدوى
في التعرض لها من أراد الوقوف عليها فاليراجع المطولات .
تفسير الميزان — صفحة 340
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٤٠