فقوله : " إن علينا للهدى " يفيد أن هدى الناس مما قضى سبحانه به وأوجبه على نفسه
بمقتضى الحكمة وذلك أنه خلقهم ليعبدوه كما قال : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "
الذاريات : 56 فجعل عبادته غاية لخلقهم وجعلها صراطا مستقيما إليه كما قال : " إن
الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم " آل عمران : " 51 ، وقال : " وإنك لتهدي
إلى صراط مستقيم صراط الله " الشورى : 53 وقضى على نفسه أن يبين لهم سبيله ويهديهم
إليه بمعنى إراءة الطريق سواء سلكوها أم تركوها كما قال : " وعلى الله قصد السبيل ومنها
جائر " النحل : 9 ، وقال : " والله يقول الحق وهو يهدي السبيل " الأحزاب : 4 وقال :
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " الانسان : 3 ولا ينافي ذلك قيام غيره تعالى
بأمر هذا المعنى من الهدى بإذنه كالأنبياء كما قال تعالى : " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم "
الشورى : 52 ، وقال : " قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني " يوسف : 108 .
وقد تقدم لهذه المسألة بيان عقلي في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب .
هذا في الهداية بمعنى إراءة الطريق وأما الهداية بمعنى الايصال إلى المطلوب - والمطلوب
في المقام الآثار الحسنة التي تترتب على الاهتداء بهدى الله والتلبس بالعبودية كالحياة الطيبة
المعجلة في الدنيا والحياة السعيدة الأبدية في الآخرة - فمن البين أنه من قبيل الصنع والايجاد
الذي يختص به تعالى فهو مما قضى به الله وأوجبه على نفسه وسجله بوعده الحق قال تعالى :
" فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى " طه : 123 ، وقال : " ومن عمل صالحا من "
ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون "
النحل : 97 ، وقال : " والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها
الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا من أصدق من الله قيلا " النساء : 122 .
ولا ينافي انتساب هذا المعنى من الهداية إليه تعالى بنحو الأصالة انتسابه إلى غيره
تعالى بنحو التبع بتخلل الأسباب بينه تعالى وبين ما ينسب إليه من الأثر بإذنه .
ومعنى الآية - إن كان المراد بالهدى إراءة الطريق - أنا إنما نبين لكم ما نبين لأنه من
إراءة طريق العبودية وإراءة الطريق علينا ، وإن كان المراد به الايصال إلى المطلوب أنا
إنما نيسر هؤلاء لليسرى من الأعمال الصالحة أو من الحياة السهلة الأبدية ودخول الجنة لأنه
من إيصال الأشياء إلى غاياتها وعلينا ذلك .
وأما التيسير للعسرى فهو مما يتوقف عليه التيسير لليسرى " ليميز الله الخبيث من
تفسير الميزان — صفحة 304
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٠٤