تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
فإنه أمر قائم بالفرد حقيقة . قوله تعالى : وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ، قولهم سمعنا وأطعنا ، إنشاء وليس باخبار وهو كناية عن الإجابة إيمانا بالقلب وعملا بالجوارح ، فإن السمع يكني به لغة عن القبول والاذعان . والإطاعة تستعمل في الانقياد بالعمل فمجموع السمع والإطاعة يتم به أمر الايمان . وقولهم سمعنا وأطعنا إيفاء لتمام ما على العبد من حق الربوبية في دعوتها . وهذا تمام الحق الذي جعله الله سبحانه لنفسه على عبده : أن يسمع ليطيع ، وهو العبادة كما قال تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد ان يطعمون " الذاريات - 57 ، وقال تعالى : " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين وأن اعبدوني " يس - 61 . وقد جعل سبحانه في قبال هذا الحق الذي جعله لنفسه على عبده حقا آخر لعبده على نفسه وهو المغفرة التي لا يستغني عنه في سعادة نفسه أحد : الأنبياء والرسل فمن دونهم فوعدهم ان يغفر لهم ان أطاعوه بالعبودية كما ذكره أول ما شرع الشريعة لآدم وولده فقال : " قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " البقرة - 38 ، وليس الا المغفرة . والقوم لما قالوا : سمعنا وأطعنا وهو الإجابة بالسمع والطاعة المطلقين من غير تقييد فأوفوا الربوبية حقها سألوه تعالى حقهم الذي جعله لهم وهو المغفرة فقالوا عقيب قولهم سمعنا وأطعنا : غفرانك ربنا وإليك المصير ، والمغفرة والغفران : الستر ، ويرجع مغفرته تعالى إلى دفع العذاب وهو ستر على نواقص مرحلة العبودية ، ويظهر عند مصير العبد إلى ربه ، ولذلك عقبوا قولهم : غفرانك ربنا بقولهم : واليك المصير . قوله تعالى لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، الوسع هو الجدة والطاقة ، والأصل في الوسع هو السعة المكانية ثم يتخيل لقدرة الانسان شبه الظرفية لما يصدر عنه من الأفعال الاختيارية ، فما يقدر عليه الانسان من الأعمال كأنه تسعه قدرته ، وما لا يقدر عليه لا تسعه فانطبق عليه معنى الطاقة ، ثم سميت الطاقة وسعا فقيل وسع الانسان أي طاقته وظرفية قدرته . وقد عرفت : أن تمام حق الله تعالى على عبده : ان يسمع ويطيع ، ومن البين