تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
الله هو إرادة وجهه عز وجل . واما قوله : وتثبيتا من أنفسهم فقد قيل : إن المراد التصديق واليقين . وقيل : هو التثبت اي يتثبتون أين يضعون أموالهم ، وقيل : هو التثبت في الانفاق فإن كان لله امضى ، وان كان خالطه شئ من الرياء أمسك ، وقيل : التثبيت توطين النفس على طاعة الله تعالى ، وقيل : هو تمكين النفس في منازل الايمان بتعويدها على بذل المال لوجه الله . وأنت خبير بأن شيئا من الأقوال لا ينطبق على الآية إلا بتكلف . والذي ينبغي ان يقال - والله العالم - في المقام : هو ان الله سبحانه لما اطلق القول أولا في مدح الانفاق في سبيل الله ، وان له عند الله عظيم الاجر اعترضه ان استثنى منه نوعين من الانفاق لا يرتضيهما الله سبحانه ، ولا يترتب عليهما الثواب ، وهما الانفاق رياءا الموجب لعدم صحة العمل من رأس والانفاق الذي يتبعه من أو اذى فإنه يبطل بهما وان انعقد أولا صحيحا ، وليس يعرض البطلان . لهذين النوعين الا من جهة عدم ابتغاء مرضاة الله فيه من رأس ، أو لزوال النفس عن هذه النية أعني ابتغاء المرضاة ثانيا بعد ما كانت عليها أولا ، فأراد في هذه الآية بيان حال الخاصة من أهل الانفاق الخالصة بعد استثناء المرائين وأهل المن والأذى ، وهم الذين ينفقون أموالهم ابتغاء وجه الله ثم يقرون أنفسهم على الثبات على هذه النية الطاهرة النامية من غير أن يتبعوها بما يبطل العمل ويفسده . ومن هنا يظهر ان المراد بابتغاء مرضاة الله ان لا يقصد بالعمل رئاء ونحوه مما يجعل النية غير خالصة لوجه الله ، وبقوله تثبيتا من أنفسهم تثبيت الانسان نفسه على ما نواه من النية الخالصة ، وهو تثبيت ناش من النفس واقع على النفس . فقوله تثبيتا تميز وكلمة من نشوية وقوله أنفسهم في معنى الفاعل ، وما في معنى المفعول مقدر . والتقدير تثبيتا من أنفسهم لأنفسهم ، أو مفعول مطلق لفعل من مادته . قوله تعالى : كمثل جنة بربوة أصابها وابل إلى آخر الآية ، الأصل في مادة ربا الزيادة ، والربوة بالحركات الثلاث في الراء الأرض الجيدة التي تزيد وتعلو في نموها ، والاكل بضمتين ما يؤكل من الشئ والواحدة أكلة ، والطل أضعف المطر القليل الأثر . والغرض من المثل ان الانفاق الذي أريد به وجه الله لا يتخلف عن اثرها الحسن