تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
الله لا مثل من أنفق وهو ظاهر . وهذا الكلام وإن كان وجيها في نفسه لكن التدبر يعطي خلاف ذلك فإن جل الأمثال المضروبة في القرآن حالها هذا الحال فهو صناعة شائعة في القرآن كقوله تعالى : " ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءا ونداءا " البقرة - 171 ، فإنه مثل من يدعو الكفار لامثل الكفار ، وقوله تعالى : إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه الآية " يونس - 24 ، وقوله تعالى : " مثل نوره كمشكاة " النور - 35 ، وقوله تعالى في الآيات التالية لهذه الآية : فمثله كمثل صفوان الآية : وقوله تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة الآية إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة . وهذه الأمثال المضروبة في الآيات تشترك جميعا في أنها اقتصر فيها على مادة التمثيل الذي يتقوم بها المثل مع الاعراض عن باقي أجزاء الكلام للايجاز . توضيحه : أن المثل في الحقيقة قصة محققة أو مفروضة مشابهة لاخرى في جهاتها يؤتي بها لينتقل ذهن المخاطب من تصورها إلى كمال تصور الممثل كقولهم : لا ناقة لي ولا جمل ، وقولهم : في الصيف ضيعت اللبن من الأمثال التي لها قصص محققة يقصد بالتمثيل تذكر السامع لها وتطبيقها لمورد الكلام للاستيضاح ، ولذا قيل : إن الأمثال لا تتغير ، وكقولنا : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل من زرع حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مأة حبة ، وهي قصة مفروضة خيالية . والمعنى الذي يشتمل عليه المثل ويكون هو الميزان الذي يوزن به حال الممثل ربما كان تمام القصة التي هي المثل كما في قوله تعالى : " ومثل كلمه خبيثة كشجرة خبيثة " الآية إبراهيم - 26 ، وقوله تعالى : " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا " الجمعة - 5 ، وربما كان بعض القصة مما يتقوم به غرض التمثيل وهو الذي نسميه مادة التمثيل ، وإنما جئ بالبعض الآخر لتتميم القصة كما في المثال الأخير ( مثال الانفاق والحبة ) فإن مادة التمثيل إنما هي الحبة المنبتة لسبعمأة حبة وإنما ضممنا إليها الذي زرع لتتميم القصة . وما كان من أمثال القرآن مادة التمثيل فيه تمام المثل فإنه وضع على ما هو عليه ،
تفسير الميزان — صفحة 386 | السيد محمدحسين الطباطبائي