تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
آخر : " إن الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جائهم العلم بغيا بينهم " آل عمران - 19 ، وقد مر بيانه في قوله تعالى : " كان الناس أمة واحدة " البقرة - 213 . ولو شاء الله لمنع من هذا القتال الواقع بعدهم منعا تكوينيا ، لكنهم اختلفوا فيما بينهم بغيا وقد اجرى الله في سنة الايجاد سببية ومسببية بين الأشياء والاختلاف من علل التنازع ، ولو شاء الله تعالى لمنع من هذا القتال منعا تشريعيا أو لم يأمر به ؟ ولكنه تعالى أمر به وأراد بأمره البلاء والامتحان ليميز الله الخبيث من الطيب وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن الكاذبين . وبالجملة القتال بين أمم الأنبياء بعدهم لا مناص عنه لمكان الاختلاف عن بغي ، والرسالة وبيناتها إنما تدحض الباطل وتزيل الشبه . وأما البغي واللجاج وما يشابههما من الرذائل فلا سبيل إلى تصفية الأرض منها ، وإصلاح النوع فيها إلا القتال ، فإن التجارب يعطي ان الحجة لم تنجح وحدها قط إلا إذا شفع بالسيف ، ولذلك كان كلما اقتضت المصلحة أمر الله سبحانه بالقيام للحق والجهاد في سبيل الله كما في عهد إبراهيم وبني إسرائيل ، وبعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد مر بعض الكلام في هذا المعنى في تفسير آيات القتال سابقا . قوله تعالى : منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ، في الجملتين التفات من الحضور إلى الغيبة ، والوجه فيه - والله أعلم - ان الصفات الفاضلة على قسمين : منها ما هو بحسب نفس مدلول الاسم يدل على الفضيلة كالآيات البينات ، وكالتأييد بروح القدس كما ذكر لعيسى عليه السلام فإن هذه الخصال بنفسها غالية سامية ، ومنها : ما ليس كذلك ، وإنما يدل على الفضيلة ويستلزم المنقبة بواسطة الإضافة كالتكليم ، فإنه لا يعد في نفسه منقبة وفضيلة إلا أن يضاف إلى شئ فيكتسب منه البهاء والفضل كإضافته إلى الله عز اسمه ، وكذا رفع الدرجات لا فضيلة فيه بنفسه إلا أن يقال : رفع الله الدرجات مثلا فينسب الرفع إلى الله ، إذا عرفت هذا علمت : أن هذا هو الوجه في الالتفات من الحضور إلى الغيبة في اثنتين من الجمل الثلاث حيث قال تعالى : فمنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات ، فحول وجه الكلام من التكلم إلى الغيبة في الجملتين الأوليين حتى إذا استوفى الغرض عاد إلى وجه الكلام الأول وهو التكلم فقال تعالى : وآتينا عيسى بن مريم .
تفسير الميزان — صفحة 311 | السيد محمدحسين الطباطبائي