تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال " الرعد - 17 ، فهو يفيد ان سيول الحوادث وميزان التنازع تقذف زبد الباطل الضار في الاجتماع وتدفعه وتبقى ابليز ( 1 ) الحق النافع الذي ينمو فيه العمران ، وابريز المصلحة التي يتحلى به الانسان ، انتهى . أقول : أما ان قاعدة تنازع البقاء وكذا قاعدة الانتخاب الطبيعي ( بالمعنى الذي مر بيانه ) حق في الجملة ، وان القرآن يعتني بهما فلا كلام فيه ، لكن هذين الصنفين الذين أوردهما من الآيات غير مسوقين لبيان شئ من القاعدتين ، فإن الصنف الأول من الآيات مسوق لبيان ان الله سبحانه غير مغلوب في أرادته ، وان الحق وهو الذي يرتضيه الله من المعارف الدينية غير مغلوب ، وان حامله إذا حمله على الحق والصدق لم يكن مغلوبا البتة ، وعلى ذلك يدل قوله تعالى أولا : بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير ، وقوله تعالى ثانيا : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ، فان الجملتين في مقام بيان ان المؤمنين سيغلبون أعدائهم لا لمكان التنازع وبقاء الأمثل الأقوى ، فإن الأمثل والأقوى عند الطبيعة هو الفرد القوي في تجهيزه الطبيعي دون القوي من حيث الحق والأمثل بحسب المعنى ، بل سيغلبون لأنهم مظلومون ظلموا على قول الحق والله سبحانه حق وينصر الحق في نفسه ، بمعنى ان الباطل لا يقدر على أن يدحض حجة الحق إذا تقابلا ، وينصر حامل الحق إذا كان صادقا في حمله كما ذكره الله بقوله : ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة " الخ " ، أي هم صادقون في قولهم الحق وحملهم إياه ثم ختم الكلام بقوله تعالى : ولله عاقبه الأمور ، يشير به إلى عدة آيات تفيد ان الكون يسير في طريق كماله إلى الحق والصدق والسعادة الحقيقية ، ولا ريب أيضا في دلالة القرآن على أن الغلبة لله ولجنده البتة كما يدل عليه قوله : " كتب الله لأغلبن أنا ورسلي " المجادلة - 21 ، وقوله تعالى : " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم
هامش
( 1 ) الابليز : الطين الذي يأتي به النيل في أيام الطغيان ، والأبريز الذهب الخالص المصفى وهما كلمتان معربتان أصلهما آب أو ليز أو آب ليس د ، وآب ريز .