تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
وإذ كانت الآيات - كما تقدمت الإشارة إليه - مسوقة لاثبات المعاد كانت الآية كالمقدمة الأولى لاثباته ، وتفيد أن الله منزه عن كل نقص وشين في ذاته وصفاته وأفعاله يملك الحكم على كل شئ والتصرف فيه كيفما شاء وأراد ، - ولا يتصرف إلا جميلا - وقدرته تسع كل شئ فله أن يتصرف في خلقه بالإعادة كما تصرف فيهم بالايذاء - الاحداث والابقاء - فله أن يبعثهم إن تعلقت به إرادته ولا تتعلق إلا بحكمه . قوله تعالى : " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير " الفاء في " فمنكم " تدل على مجرد ترتب الكفر والايمان على الخلق فلا دلالة في التفريع على كون الكفر والايمان مخلوقين لله تعالى أو غير مخلوقين ، وإنما المراد انشعابهم فرقتين : بعضهم كافر وبعضهم مؤمن ، وقدم ذكر الكافر لكثرة الكفار وغلبتهم . و " من " في قوله : " فمنكم ومنكم " للتبعيض أي فبعضكم كافر وبعضكم مؤمن . وقد نبه بقوله : " والله بما تعملون بصير " على أن انقسامهم قسمين وتفرقهم فرقتين حق كما ذكر ، وهم متميزون عنده لان الملاك في ذلك أعمالهم ظاهرها وباطنها والله بما يعملون بصير لا تخفى عليه ولا تشتبه . وتتضمن الآية مقدمة أخرى لاثبات المعاد وتنجزه وهي أن الناس مخلوقون له تعالى متميزون عنده بالكفر والايمان وصالح العمل وطالحه . قوله تعالى : " خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم واليه المصير " المراد بالحق خلاف الباطل وهو خلقها من غير غاية ثابتة وغرض ثابت كما قال : " لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا " الأنبياء : 17 ، وقال : " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون " الدخان : 39 . وقوله : " وصوركم فأحسن صوركم " المراد بالتصوير إعطاء الصورة وصورة الشئ قوامه ونحو وجوده كما قال : " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم " التين : 4 ، وحسن الصورة تناسب تجهيزاتها بعضها لبعض والمجموع لغاية وجودها ، وليس هو الحسن بمعنى صباحة المنظر وملاحته بل الحسن العام الساري في الأشياء كما قال تعالى : " الذي أحسن كل شئ خلقه " ألم السجدة : 7 . ولعل اختصاص حسن صورهم بالذكر للتنبيه على أنها ملائمة للغاية التي هي الرجوع إلى الله فتكون الجملة من جملة المقدمات المسوقة لاثبات المعاد على ما تقدمت الإشارة إليه .