وإذ كانت الآيات - كما تقدمت الإشارة إليه - مسوقة لاثبات المعاد كانت الآية
كالمقدمة الأولى لاثباته ، وتفيد أن الله منزه عن كل نقص وشين في ذاته وصفاته وأفعاله يملك
الحكم على كل شئ والتصرف فيه كيفما شاء وأراد ، - ولا يتصرف إلا جميلا - وقدرته
تسع كل شئ فله أن يتصرف في خلقه بالإعادة كما تصرف فيهم بالايذاء - الاحداث
والابقاء - فله أن يبعثهم إن تعلقت به إرادته ولا تتعلق إلا بحكمه .
قوله تعالى : " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير "
الفاء في " فمنكم " تدل على مجرد ترتب الكفر والايمان على الخلق فلا دلالة في التفريع
على كون الكفر والايمان مخلوقين لله تعالى أو غير مخلوقين ، وإنما المراد انشعابهم فرقتين :
بعضهم كافر وبعضهم مؤمن ، وقدم ذكر الكافر لكثرة الكفار وغلبتهم .
و " من " في قوله : " فمنكم ومنكم " للتبعيض أي فبعضكم كافر وبعضكم مؤمن .
وقد نبه بقوله : " والله بما تعملون بصير " على أن انقسامهم قسمين وتفرقهم فرقتين
حق كما ذكر ، وهم متميزون عنده لان الملاك في ذلك أعمالهم ظاهرها وباطنها والله بما
يعملون بصير لا تخفى عليه ولا تشتبه .
وتتضمن الآية مقدمة أخرى لاثبات المعاد وتنجزه وهي أن الناس مخلوقون له تعالى
متميزون عنده بالكفر والايمان وصالح العمل وطالحه .
قوله تعالى : " خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم واليه المصير "
المراد بالحق خلاف الباطل وهو خلقها من غير غاية ثابتة وغرض ثابت كما قال : " لو أردنا
أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا " الأنبياء : 17 ، وقال : " وما خلقنا السماوات والأرض
وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون " الدخان : 39 .
وقوله : " وصوركم فأحسن صوركم " المراد بالتصوير إعطاء الصورة وصورة الشئ
قوامه ونحو وجوده كما قال : " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم " التين : 4 ، وحسن
الصورة تناسب تجهيزاتها بعضها لبعض والمجموع لغاية وجودها ، وليس هو الحسن بمعنى
صباحة المنظر وملاحته بل الحسن العام الساري في الأشياء كما قال تعالى : " الذي أحسن
كل شئ خلقه " ألم السجدة : 7 .
ولعل اختصاص حسن صورهم بالذكر للتنبيه على أنها ملائمة للغاية التي هي الرجوع
إلى الله فتكون الجملة من جملة المقدمات المسوقة لاثبات المعاد على ما تقدمت الإشارة إليه .
تفسير الميزان — صفحة 295
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٩٥