وليس في الدنيا فهو في دار أخرى وهي النشأة الآخرة ( 1 ) .
على أنهم شاهدوا النشأة الأولى وعرفوها وعلموا أن الذي أوجدها عن كتم العدم هو
الله سبحانه وإذ قدر عليها أولا فهو على إيجاد مثلها ثانيا قادر ، قال تعالى : " قل يحييها
الذي أنشأها أول مرة " يس : 79 ، وهذا برهان على الامكان يرتفع به استبعادهم للبعث .
وبالجملة يحصل لهم بالعلم بالنشأة الأولى علم بمبادئ البرهان على إمكان البعث فيرتفع
به استبعاد البعث فلا استبعاد مع الامكان .
وهذا - كما ترى - برهان على إمكان حشر الأجساد ، محصله أن البدن المحشور مثل
البدن الدنيوي وإذ جاز صنع البدن الدنيوي وإحياؤه فليجز صنع البدن الأخروي
وإحياؤه لأنه مثله وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد .
فمن العجيب قول الزمخشري في الكشاف في الآية : وفي هذا دليل على صحة القياس
حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى بالأولى . انتهى . وذلك لان الذي في الآية
قياس برهاني منطقي والذي يستدل بها عليه قياس فقهي مفيد للظن فأين أحدهما من الآخر ؟
وقال في روح المعاني في الآية : فهلا تتذكرون أن من قدر عليها يعني على النشأة الأولى
فهو على النشأة الأخرى أقدر وأقدر فإنها أقل صنعا لحصول المواد وتخصيص الاجزاء
وسبق المثال ، وهذا على ما قالوا دليل على صحة القياس لكن قيل : لا يدل إلا على قياس
الأولى لأنه الذي في الآية . انتهى .
وفيه ما في سابقه . على أن الذي في الآية ليس من قياس الأولى في شئ لان الجامع
بين النشأة الأولى والأخرى أنهما مثلان ومبدأ القياس أن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما
لا يجوز واحد .
وأما قوله : إن النشأة الأخرى أقل صنعا لحصول المواد وتخصيص الاجزاء ، فهو ممنوع
فإن المواد تحتاج إلى إفاضة الوجود بقاء كما تحتاج إليها في حدوثها وأول حصولها ، وكذا
تخصص الاجزاء يحتاج إليها بقاء كما تحتاج إليها فالصنع ثانيا كالصنع أولا .
وأما قوله : وسبق المثال ، فقد خلط بين المثل والمثال فالبدن الأخروي بالنظر إلى
نفسه مثل البدن الدنيوي لا على مثاله ولو كان على مثاله كانت الآخرة دنيا لا آخرة .
هامش
( 1 ) الآية 27 و 28 من سورة ص .