واحتجب بها عنه تعالى كان الكلام رسالة أرسل إليه بملك مثلا ووحيا من الملك ،
وإن التفت إليه تعالى كان وحيا منه وإن كان هناك واسطة لا يلتفت إليها ، ومن الشاهد
على ما ذكرنا قوله في الآية التالية خطابا لموسى : " فاستمع لما يوحى " فسماه وحيا ،
وقد أثبت في سائر كلامه فيه الحجاب .
وبالجملة قوله : " إني أنا ربك فاخلع نعليك " الخ ، تنبيه لموسى على أن الموقف
موقف الحضور ومقام المشافهة وقد خلى به وخصه من نفسه بمزيد العناية ، ولذا قيل :
إني أنا ربك ، ولم يقل أنا الله أو أنا رب العالمين ، ولذا أيضا لم يلزم من قوله ثانيا :
" إني أنا الله " تكرار ، لان الأول تخلية للمقام من الأغيار لالقاء الوحي ، والثاني
من الوحي .
وفي قوله : " نودي " حيث طوي ذكر الفاعل ولم يقل : ناديناه أو ناداه الله
من اللطف ما لا يقدر بقدر ، وفيه تلويح أن ظهور هذه الآية لموسى كان على
سبيل المفاجأة .
قوله تعالى : " وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى " الاختيار مأخوذ من الخير ،
وحقيقته أن يتردد أمر الفاعل مثلا بين أفعال يجب أن يرجح واحدا منها ليفعله فيميز
ما هو خيرها ثم يبني على كونه خيرا من غيره فيفعله ، فبناؤه على كونه خيرا من غيره
هو اختيار فالاختيار دائما لغاية هو غرض الفاعل من فعله .
فاختياره تعالى لموسى إنما هو لغاية الهية وهي إعطاء النبوة والرسالة ويشهد بذلك قوله على سبيل التفريع على الاختيار " فاستمع لما يوحى " فقد تعلقت المشية
الإلهية ببعث إنسان يتحمل النبوة والرسالة وكان موسى في علمه تعالى خيرا من غيره
وأصلح لهذا الغرض فاختاره عليه السلام .
وقوله : " وأنا اخترتك " على ما يعطيه السياق من قبيل إصدار الامر بنبوته ورسالته فهو إنشاء لا إخبار ، ولو كان إخبارا لقيل : وقد اخترتك لكنه إنشاء
الاختيار للنبوة والرسالة بنفس هذه الكلمة ثم لما تحقق الاختيار بإنشائه فرع عليه
الامر بالاستماع للوحي المتضمن لنبوته ورسالته فقال : " فاستمع لما يوحى " والاستماع
لما يوحى الاصغاء إليه .
تفسير الميزان — صفحة 139
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٣٩